/ صفحه 304/
بالمهج، واخضلت الرُّبا بالدماء، وتجاوبت أمواج الأثير بأنين الضحايا والشهداء، وضجت جوانب الأرض من بشاعة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
وهذه هي مقاصدهم التي سخروا لها علومهم وفنونهم، والتي قامت عليها سياستهم في الفتح والاستعمار، وهذا هو شأنهم في ماضيهم وفي حاضرهم، لأنهم لا يدينون في عقائدهم وسلوكهم بشرائع الانبياء، ولا يخافون في أعمالهم ومعاملاتهم يوم العبث والحساب والجزاء.
فوازنوا يا أرباب العقول المنصفة، بين هذه الحضارة المادية وحظ الإنسانية منها، وبين الحضارة التي تقوم على هدى الدين ومبادئه، والتي تستطيع بسلطانها الروحي أن تحمل أهلها في سلمهم وحربهم على احترام حقوق الإنسان والتزام قواعد الحق والعدل، فإذا سالموا فإنما يسالمون لنشر الأمن والاستقرار، وتقوية أواصر المحبة والإخاء، وتوثيق عرى التعاون الاجتماعي بين الأفراد والجماعات، وإن حاربوا فانما يحاربون لمحق العدوان والطغيان وتحرير الشعوب، لأن سلطان الدين الذي ملأ فراغ قلوبهم، وملك عليهم حواسهم ومشاعرهم، وهيمن على تفكيرهم في تصريف شئونهم، يعصمهم في سلمهم وحربهم من تغلب المطامع والأهواء على عقولهم وتفكيرهم، فلا تبلغ بهم الاهواء والأطماع إلى حد الطغيان العدوان، ولا يصل بهم حب الغلب في ميدان الصراع الحربي إلى حد الوحشية والقسوة، والاستهانة بقدسية العهود والمواثيق، والاستخفاف بمبادئ الحق والعدل، والتجرد من المعاني الإنسانية والخلق الكريم، ومما تقدم تتضح لنا الحقائق الآتية:
1 ـ أن الحضارة المادية بكل فلسفتها وعلومها ومكتشفاتها، لا تستطيع أن تستقل بإصلاح حال المجتمع إصلاحا يكفل له الأمن والاستقرار، وينشر في ربوعه الطمأنينة والسلام، وأن هذا الإصلاح لا يمكن أن يتحقق في أي زمن من الأزمان، إلا عن طريق الجمع والمؤاخاة بين الدين والعلم، وسيرهما معا في الإصلاح جنبا إلى جنب، الدين للقيادة الروحية وإصلاح مناهج السلوك، والعلم للكشف