/ صفحه 303/
تستطيع أن ترد عقولهم إلى رشدها إذا جمحت بهم الأطماع والأهواء، أو دفعتهم القوة الغاشمة إلى العدوان وسفك الدماء، وكيف تحملهم على احترام حقوق الإنسان والتزام قواعد العدل، وهي لا تؤمن بقدسية الحقوق الإنسانية ومبادئ الحق والعدل، وكيف تستطيع رد عقولهم إلى رشدها إذا جمحت بهم الأطماع والأهواء، وهي التي يسرت لهم وسائل الطغيان والعدوان، وسهلت عليهم الاستخفاف بقدسية العهود والمواثيق، وفتحت لهم مسالك الغدر والخديعة في سلمهم وحربهم، فهم إن سالموا فإنما يسالمون للخديعة والغدر والخيانة، وإن حاربوا فإنما يحاربون لاستعباد الشعوب واحتلال الأوطان.
ولسنا في حاجة إلى استخراج الأدلة على ذلك من الماضي، ففي الحاضر أصدق الدلائل وأبلغ العبر، فإن هذه الحضارة التي يقدسونها، ويتحدثون عن علومها وفنونها، ويريدون الاستغناء بها عن الدين ومبادئه، هي التي ابتدعت لأهلها أبشع أنواع الفسق وصور ا لفجور، وحببت إليهم الامعان في الاباحية والتحلل، وهي التي زينت لهم أن يستبيحوا في سبيل أطماعهم ومآربهم، كل وسيلة من وسائل الدس والوقيعة، والغدر والخديعة، وهي التي يسرت لهم أن يتخذوا من علومها وفنونها معاول للتخريب والتدمير، وأسلحة فتاكة للبغي والعدوان وسفك الدماء، واستذلال الشعوب واستعباد الأمم، ولهذا تراهم يتظاهرون بأنهم حماة الحرية وحراس العدالة والمساواة، وأنهم هم الذين قرروا حقوق الإنسان، ووضعوا مبادئ الإخاء الانساني والتعاون الاجتماعي، حتى إذا دفعتهم المطامع والقوة الغاشمة إلى ميدان الصراع والغلب، داسوا بأقدامهم أقدس حقوق الإنسان، واستهانوا بكل عرف وقانون، وصبوا الهلاك والدمار على البلاد والعباد، وقتلوا الشيوخ والنساء والأطفال، واستباحوا الأموال والاعراض، وملؤا الدنيا خوفا وفزعا، والأرض ظلما وجورا، ولا يعرفون في حروبهم شفقة ولا رحمة، كأن قلوبهم قدت من الصخر، وأجسامهم تقمصت أرواح الشياطين، هذا هو حظ الإنسانية من هذه الحضارة التي أسرفت في سفك الدماء المعصومة، وإزهاق الأرواح البريئة، حتى سالت الأودية
