/ صفحه 302/
به السبل، وطاحت به الأهواء، واستحالت حياته إلى شقاء، بل لآل أمره إلى الزوال والفناء، ولكن الله الذي أحسن في كل مخلوق خلقه، وأبدع في كل مصنوع صنعه، ويسر لكل كائن وسائل الحياة والبقاء إلى الوقت المعلوم، قد أراد لهذا الإنسان أن يعمر الأرض إلى أجل مسمى، وأن يبلغ فيها الكمال الذي قدره له، فمنحه بفضله ورحمته هداية روحية سماوية، تساير بتعاليمها مراحل السير وأطوار الحياة في كل زمان ومكان، وتضع للسائرين في ركب الحياة في قواعد السلوك ما يكفل لهم وسائل الحياة والبقاء، ويدفع عنهم عوامل الشقاء وأسباب الفناء، ويحقق لهم سعادة الدنيا والآخرة، وتناجي الأحاسيس، وتوقظ العقول والضمائر، وتهيمن بسلطانها الروحي على القلوب والأرواح، وتراقب الإنسان في سره وجهره، وتبعث فيه قوة اليقين وصحة النظر واستقامة التفكير، وترفع عن بصره وبصيرته غشاوة الأوهام والأهواء التي طالما عكست عليه حقائق الأمور، وقلبت له أوضاع الحياة، وهذه الهداية التي تحدثنا عنها، هي هداية الشرائع الإلهية التي نزلت من عالم الحق، والتي بشرت بها الانبياء والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وأما ما يزعمه دعاة اللادينية والتحلل من تعاليم الدين ومبادئه، من أن ما وصل إليه الإنسان من الرقى العقلي والنضوج الفكري، واتساع آفاق حضارته ومدنيته، يقوم مقام الدين السماوي في إصلاح حال البشر، وبناء المجتمعات التي تكفل لأهلها الأمن والاستقرار، وتوفر لهم أسباب السعادة والرفاهية، فإنه زعم كاذب يتخذونه ستاراً لإخفاء سوء نياتهم، وخبث طوياتهم، وتضليل الذين يقفون بأبصارهم عند ظواهر الأمور ورسومها، ولا ينفذون ببصائرهم إلى بواطنها وخوافيها، فإن الحضارة التي لا تؤمن إلا بالحياة المادية البحتة، التي تقوم على الاباحية والاغراق في متع الحياة ولهوها، والتحلل من قوانين الأخلاق والفضائل؛ والاستهانة بالمعاني الروحية والقيم الخلقية، لا يمكن إن تقيم مجتمعاً يسوده الأمن والاستقرار، والمحبة والاخاء، وتتمثل فيه حكمة الوجود الانساني بأعبائها ومسئولياتها، لأن هذه الحضارة المادية مهما بلغت من البراعة في العلوم والفنون ما بلغت، لا يمكن أن تحمل أصحابها على احترام حقوق الإنسان، والتزام قواعد الحق والعدل، ولا
