/ صفحه 301/
بل يحتاج في قيادته لها على هذا النهج الصالح، إلى رائد من نور الوحي السماوي، يسترشد به في قيادته، ويسير على توجيهه وهديه، في تعرف مواطن الخير والشر، ومواقع الصواب والخطأ، ويستعين به على مقاومة عوامل الزيغ والانحراف، فمثل العقل في ذلك كمثل العين الباصرة، فإنها لا تستطيع أن ترى الأشياء رؤية صحيحة كاملة، إلا إذا سطع عليها ضوء خارجي، تستعين به على رؤية ما أمامها من المرئيات على حقيقتها، وأما ما دامت في جو مظلم، فإنها لا تستطيع أن تقوم بوظيفتها، وإن كانت موجودة بجوهرها وطبيعتها.
وأما ما نراه اليوم من بلوغ العقل شأواً بعيداً في المجال الفكري والقيادي، فليس ذلك من قبيل الطفرة والابتكار المحض، وإنما هو راجع في أصله إلى هداية الدين السماوي، ومبني في تطوره على نتاج العقول السابقة، كما تقضي بذلك سنة التدرج والترقي، ولهذا يقولون: " نهاية المتقدم بداية المتأخر " فكل حلقة من حلقات الرقى العقلي، مبنية على الحلقة التي قبلها إلى منتهى الحلقة الأولى، وهي الحلقة التي استمدت علومها من الوحي السماوي الأول، الذي علم آدم وأولاده في أول مرحلة من مراحل الوجود الانساني، ما يحتاجون إليه في حياتهم من مقومات الحياة ومناهج السلوك، ويستطيعون البناء عليه في تنظيم شئونهم وتدبير معاشهم، ويسترشدون به في سيرهم وسلوكهم.
فهذا الأصل كما ترى: يقضي بحاجة الإنسان في كل زمان ومكان، إلى هداية روحية سماوية، تحرر عقله من سيطرة الأوهام والخرافات، وتضيء له طريق النظر الصحيح والتفكير السليم، وتبين له معالم الحق ومسالك الرشاد، وتطلق فكره من رق الأهواء وطغيانها، وتكشف له عن خبايا مداخل الشيطان وحبائله، ويستعين بسلطانها الروحي على كبت سورة أطماعه وشهواته، وكبح جماح غرائزه ونزواته، ووزن مطالب الحياة بميزان القسط والاعتدال.
هذه هي الأصول التي قامت عليها حاجة الناس في كل زمان إلى هداية الدين السماوي، إذ لو ترك الإنسان بدون هذه الهداية أمام هذه العوامل والنوازع، تسير به في سلوكه على النهج الذي تمليه عليه طبيعتها، لتشعبت عليه المسالك، وتفرقت
