/ صفحه 300/
مناهجه الأهواء والنزعات، ولا تلتوي بمقاصده الأغراض والأفهام، لأنه وضع إلهي نزل بالحق من عالم الحق، لا وضع بشري جاء من تفكير العقل أو من وحي الهوى.
الأصل الثالث: عوامل الزيغ والانحراف والإغراء، التي تحيط بالانسان وتسير معه في حياته جنبا الى جنب، والتي تتجلى أصولها في سيطرة الخيال وأوهامه، وطغيان الهوى وتحكمه، ووحي الشيطان ووسوسته، وشره الغرائز وجموحها، وطغيان النفس في مطالبها وشهواتها.
فإن الإنسان من حيث هو إنسان بعقله وحواسه فحسب، مستعد بفطرته لانطلاقه وراء الوهم والخيال في تضليل العقول وإفساد العقائد، وخضوعه لتحكم الهوى في تفكيره وسلوكه، وطاعته للشيطان في وحيه وإغرائه، وانقياده لشره الغرائز وجموحها، وتسخير عقله وحواسه في سبيل إشباع غرائزه ونزواته، وتحقيق مطالبه وأطماعه، والمطالب والأطماع لا تقف عند حد، وكثيراًَ ما تمتد هذه المطالب والأطماع إلى ما في يد غيره، فيقع التنازع والتعادي بين الأفراد والجماعات، ويشهر القوى على الضعيف سلاح بغيه وعدوانه، وقد يصبح الضعيف قويا، فيرد لخصمه صاع البغي صاعين، والشر بالشر والبادي أظلم، وهذا هو شأن النفوس ما دامت منطوية على ميول جامحة، وشهوات مطاعة، وأهواء متبعة، وليس لها مع ذلك وازع يزعها، ولا مرشد يرشدها، وإذا وصل الإنسان في غيه وانحرافه إلى هذا الحد، واسترقت الأهواء عقله وفكره على هذا النحو، فكيف يتسنى له أن يعيش سعيداً كريما في مجتمع سعيد كريم.
فلكي يتأتي له أن يعيش سعيداً كريماً في مجتمع سعيد كريم، يجب أن يكون في سلوكه الفكري والخلقي والعملي، صحيح الإدراك، سليم التفكير، مالكا لزمام أهوائه وأطماعه، كابحاً لسورة غرائزه وشهواته، واقفا بمطالب النفس عند حدود التوسط والاعتدال، بيد أن هذا السلوك لا يمكن إن يتحقق له بمجرد تدبير العقل وإعمال الفكر، لان العقل من حيث هو عقل بشري تحيط به عوامل الزيغ والانحراف، لا يستطيع أن يستقل بقيادة القوى الإنسانية والغرائز الفطرية قيادة حكيمة، تسير بها على النهج الذي يحقق للفرد وللمجتمع سعادة المعاش والمعاد،