/ صفحه 299/
بشئون الألوهية والربوبية، وشئون الدار الآخرة وأحوالها، وتبين له مناهج السلوك التي تحقق الحكمة التي خلق لها.
الأصل الثاني: تفاوت الناس في نظرهم إلى أوضاع الحياة وصورها، وتحديد مطالبها وغاياتها، وتعيين ا لوسائل الموصلة إلى هذه المطالب والغايات، فإن الإنسان في حياته الفردية والجماعية له غاية يسعى ليدركها، وهذه الغاية التي يسعى وراءها، ويكافح من أجل الحصول عليها، هي السعادة التي يهتف بها حسه ووجدانه، وتتراءى له في أحلامه وآماله، غير أن هذه السعادة التي هي الأمل المرجي والمطلب المرتقب، قد اختلفت أنظار الناس في فهم حقيقتها، وتقدير مظاهرها، وتعيين مواطنها، وتحديد وسائلها، وذهبوا في ذلك وراء اختلاف الأهواء والنزعات مذاهب شتى، فمنهم من يراها في أن يعيش على هامش الحياة هملا، يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام السائمة، ومنهم من يراها في الإغراق والإسراف في متع الحياة ولهوها، ومنهم من يراها في الاباحية والالحاد، والتحلل من قوانين الأخلاق وقواعد السلوك، ومنهم من يراها في جمع المال واستعباد الرقاب، وقليل منهم من يراها في استقامة السلوك وإن اختلفوا في صوره ومناهجه، كما يشير إلى ذلك كله قول الله تعالى في سورة المؤمنون: " كل حزب بما لديهم فرحون، فذرهم في غمرتهم حتى حين " وفي الاسراء: " قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا" وهكذا تفاوتت الأنظار والأفهام، وتباعدت الميول والمشارب، وغابت الحقائق عن العقول في غمرة الأهواء والشهوات.
فهذا الأصل كما ترى، يقضي بحاجة الناس في كل زمان ومكان، إلى هداية أعلى من هداية العقل والحواس، تكون القول الفصل فيما فيه يختلفون، والمرجع الأعلى في تكييف أوضاع الحياة وصورها، وتحديد مطالبها وغاياتها، وتعيين الوسائل الموصلة إلى هذه المطالب والغايات، وتوضيح حقيقة السعادة التي ضلت طريقها الأنظار والأفهام، وهي هداية التشريع السماوي، الذي لا تقترب منه عوامل الزيغ والانحراف، ولا تشوبه شوائب التضليل والتلبيس، ولا تتحكم في
