/ صفحه 30 /
قلت: أيسر الأقوال في هذه المسألة قول مالك، فعنده أن من لم يجد ماء ولا متيمما لا يؤدي ولا يقضي ـ عكس يصلي ويقضي ـ وبعده يسرا قول أشهب يؤدي ولا يقضي.
قال: وقد يرى غيرك أن القضاء ولا أداء أيسر، وأن الأداء ثم القضاء أحوط، ولكن الجدير بالنظر حقا تسمية العمل نفسه " التيمم " أفلو قال سبحانه وتعالى: " فاقصدوا " بدل قوله: " فتيمموا صعيداً طيباً " كانوا يسمونه " باب القصد " " والطيب " مقابل " الخيث " من المعاني العامة التي يحدها " المحل " أو " الموضوع " فالأرض الطيبة من حيث الإنبات هي التي تنمو وتجود بنبتها على خلاف الخبيثة التي يخرج نباتها نكدا، فإذا كنت في " باب الطهارة " أو النظافة وعدمت الماء المطهر الأصلي، وأرادك سبحانه وتعالى على أن تستبدل به صعيداً طيباً أفليس واضحاً أن الصعيد الطيب " بدل الماء " لابد أن يكون له بعض خصائص المبدل منه من حيث المقصد ـ الطهارة أو النظافة ـ أو تراك متطهرا إذا مسحت بالتراب وما أشبهه، إنك إذا مسحت وجهك ويديك بمنديل أو نحوه أزلت ذرات الغبار أو الهباء … ولو كان الطهور ماء لكانت الطهارة أتم، ولكنك على كل حال تطهرت في حدود الامكان عكس ما تفعل لو مسحت بالتراب فإنك تضيف وضرا جديداً على آخر قديم، هذا على أننا خرجنا من موضوع حديثنا، فنحن في التقريب، وما كان التيمم إلا شاهدا على تعدد " المذاهب " في المذهب الواحد، وعلى أنه لو صح أن المذهبية تجافي التقريب، وبالتالي تقتضي التبعيد إذن لوجب تبعيد أو إقصاء أصحاب مالك عن مالك، واصحاب أبي حنيفة عن أبي حنيفة، وأصحاب زيد ـ الزيدية من الشيعة ـ عن زيد، أذكر أول مرة رأيت فيها صاحب فكرة التقريب محمدا ـ يعني سماحة العلامة الاكبر القمي، ولم يكن يذكره إلا بإسمه المجرد " وكان هذا في لغته يعني غاية التكريم، أخذ يتحدث إلى فأخذني العجب، إذ خيل لي أن نفسي تتحدث إلى نفسي، ان الفكر التي تختلج في ضميري هي هي التي أسمعها، ولو أني أفضيت بها إلى آخر ما عدوت أن أقول ما يقول …