/ صفحه 29/
" ثبوت " و " حركة " ما يزالان يتناوبان الأحكام حسب مقتضى الحال، أن السماحة وصف لزم ـ بحق ـ هذه الملة الإسلامية، ومن فقهها حق فقهها كانت السماحة جبلة فيه، يحكى عن أحد الصالحين من سلفنا أنه أقام منسكا دينيا على خلاف الصورة التي يعرفها من اجتهاده، لأن مجتهداً آخر يرى غير رأيه كان ضيف البلد فرأى من باب التكريم والمجاملة للشيخ الضيف أن يتعبدوا على طريقته.
إن الأصول الإسلامية ـ يعني أصول العقيدة لا أصول الفقه الاصطلاحية ـ واحدة لا يختلف فيها اثنان، والخلاف في الفروع هين أمره ومظهره، فإن غير المسلم إذا وجد مع جماعة من المسلمين لكل منهم مذهبه فإنه لا يدرك هذه التفرقة المذهبية حين يراهم يصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قلت: لقد قال لي عالم كبير ـ من هيئة كبار العلماء ـ أن التقريب بين المذاهب الإسلامية مستحيل عقلا. فإن المذهبين في المسألة أو المسائل يعني خلافاً في النظر، فأنت ترى الشيء أبيض، وأنا أراه أسود فكيف يقرب بيننا؟ هل نصطلح على أنه أزرق؟ إذا فعلنا أفلا ترانا نعبث؟
ضحك الشيخ مغرقا وقال: والتبعيد … أيراه العالم الكبير مستحيلا أم ممكنا؟
لابد يراه ممكنا، فكلامه هذا نفسه تبعيد، فلو أنت قلت: كل ما يمكن تبعيده يمكن تقريبه لاستقام لك ان النسبة بين المذاهب الإسلامية لأمر مشهور من حيث المصدر، ومن حيث الغاية، ومن حيث ما شاء الله أن تنظر، إنك لو نظرت في المذهب الواحد ـ أي مذهب ـ مجرداً محللا لوجدته جملة مذاهب … لقد اختلف المالكية في حال من لم يجد ماء ولا متيمما، وتمخض الخلاف عن أربعة مذاهب نظمها بعضهم:
ومن لم يجد ماء ولا متيمما فأربعة الأقوال يحكين مذهبا
يصلي ويقضي عكس ما قال مالك وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا
أفترى التقريب بين أصحاب مالك ثم بينهم وبين مالك مستحيلا؟.
