/ صفحه 298/
الخيال عند حدود العوالم المادية والمشاهد الحسية، فكيف يتسنى له مع هذا الضعف والوقوف عند مدارك الحواس، أن يصل بإدراكه الذاتي إلى معرفة شئون الإلة الحق، الذي احتجب عن الحواس بحجاب العظمة والجلال، وتعالت ذاته العلية عن الإحاطة والادراك، وتنزهت صفاته القدسية عن المشابهة والمماثلة.
ومما يؤيد هذا الذي قررناه تأييداً واضحاً، أن المتقدمين من كبار الفلاسفة وشيوخهم، وهم من صفوة أرباب العقول المفكرة، والبصائر النيرة، والأحاسيس المرهفة، وقفوا في مباحث الالهيات حياري في منتصف الطريق، وتشعبت عليهم مسالك البحث والنظر، وتخبطوا في هذه المباحث التي أفنوا فيها أعمارهم، ولم يستطيعوا بكل ما وضعوا من قوانين النظر والاستدلال، أن يصلوا إلى الحقائق الخالصة من شوائب التضليل والتلبيس، وجاءوا بعد طول المطاف بخليط من الوثنية والتوحيد، ومزيج من المذاهب الفلسفية التي لا تغني من الحق شيئا، وكان أوضحهم في ذلك محجة، وأصحهم رأيا، واصدقهم حديثا، من كان منهم على صلة بشرائع الانبياء والرسل، فقد كانت صلتهم بالشرائع السماوية تضفي على عقولهم قبساً من صحة النظر، واستقامة التفكير.
وأما بالنظر إلى معرفة الغاية التي خلق لها، والحقوق والواجبات المترتبة عليها، والإلمام بأحوال الآخرة التي يرجع إليها، فلأن العقل لا يستطيع أن يستقل بفهم ما يجب أن يفهم من شئون الدار الآخرة وأحوالها، وما يتصل بها من الأقوال والأعمال التي ربط الله بها السعادة أو الشقاوة فيها، لأن ذلك فوق مستوى إدراكه الذاتي، وتفكيره الاستقلالي، وإنما يعرف ذلك كله عن طريق الوحي الالهي، وإرسال الرسل، وتشريع الشرائع، ولهذا ربط الله مسئولية التكليف والمؤاخذة بإرسال الرسل وتبليغ الشرائع، لا بمجرد بلوغ الرشد واكتمال العقل، كما قال تعالى في سورة الإسراء: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ".
فهذا الأصل كما ترى، يقضي بحاجة الإنسان في كل زمان ومكان، إلى هداية سماوية ترفع عن عقله غواشي الوهم والخيال، وتكشف له عن الحقائق المتعلقة
