/ صفحه 293/
وهي بعيدة، أما أن يكون جوابه: قلما يلتقي الشتيتان، أو قلما تدرك الحاجات البعيدة، فهو لا يريد على أن يكرر كلام العواذل، إذا كانت قد يجمع الله " الشتيتين " تساوي فلما يجمع الله الشتيتين ـ وإنها لكذلك إذا حجوت الفعل مستقبلا بعد قد ـ فإنها لا تصلح جوابا من ذلك الذي يصر على أن يظل سادرا في هواه، ولكنها خير جواب إذا كانت قد كم قال القدماء أنفسهم خبرية مثبتة: دعوني أيها العواذل، أفليست حجتكم أننا تشتتنا فطلبي بعيد.. إلا فإنه قد التقت الأشتات وقد أدركت اللبانات وهي بعيدات.
كذلك يقول مجنون بن عامر أو غيره مما يروي لهم الشعر الذي سقته، وذلك هو اللسان المبين، ودعك مما قال المتأخرون أو المتقدمون.
قلت: وإذا قلت قد يجود البخيل، أو قد يشفي صاحب الداء العضال.
قال: فذلك معناه، قد جاء البخيل، وشفى صاحب الداء العضال.
قلت: فإذا قلت قد يجود زيد وهو البخيل المعروف المشهور ـ مثلا ـ فما أحسبكم تستطيعون أن تقولوا: معناها: قد جاد زيد.
قال: ولماذا لا أستطيع؟ بل إني لقائل إياها … إن زيدا في مثل هذا التعبير إنما يفصح عن حالة أنه بخيل جداً، وقد رغبت إليه مثلا في أن يسهم في عمل خيري فقيل لك: إنه زيد فكيف تريده على أن يحسن؟ يعني: أنه البخيل أو عين البخل، فكيف تطمع ان يجود؟ فتقول: قد جاد " زيد " أي البخيل، ويحتمل أن يجود هذه المرة كما جاد مراراً سلفت قلت أو كثرت.
إنه لمن شأن العرب أن يتخذوا العلم تعبيراً عن حالة أو صفق غالبة، فأنت تعلم مثلا أن " لا " تنفي الجنس لا العلم، إلا أنهم قالوا: قضية ولا أبا حسن لها.
لقد اتخذوا " الإمام " مثالا معبراً عن حال هي مثالية القضاء، كأن أبا حسن تفيد في أصل وضعها " القاضي القدوة " فإذا جدت قضية ورأيت قاضيها غير أهل لها قلت: قضية ولا أبا حسن لها، إن أبا حسن هنا ليس كنية ولا لقبا ولا علما، وإنما هو وصف، أحسبني أوضحت معناه إيضاحا ليس وراءه إلا اللجاج.
