/ صفحه 290/
إن اللغة التي نتكلمها الان ونكتبها لهي عربية من حيث أحكام النحو والصرف، فأما من حيث الأسلوب والتركيب فإن لغة القرآن والشعر والنثر العربيين تكاد تكون غير مستعملة، أنا لا أتكلم بطبيعة الحال عن الألفاظ فهي واحدة.. نحن نستعمل الألفاظ نفسها التي كان العرب تستعملها قبل الإسلام، وإلا أننا نصوغها صياغة لا شك أنها طريفة أعني جديدة بقدر ما هي سخيفة.
قلت: فهل تريدوننا على أن نسجع ونزاوج وما إلى ذلك من المحسنات اللفظية؟.
قال: بل على النقيض أريدكم على أن تنطلقوا مع الفطرة دون تكلف، فكذلك كانت تتكلم العرب، وكذلك تجد لغة القرآن.
قلت: أعتقد أننا لو انطلقنا مع الفطرة لجئنا بالعجب العجاب سخفاً وركاكة.
قال: ذلك بأنكم فقراء لغة، ولو قد كنتم تمرستم بالقرآن ولغة العرب قبل أن يدخلها " التزويق " إذن لجئتم بالسهل الممتنع.
إن أحد زملائنا في " المجمع " ليتكلم ويكتب لغة هي البساطة عينها، ولكنها من حيث التركيب والسلامة لغة الجاهليين، لغة الشعر الجاهلي والنثر الجاهلي، ولغة المسلمين أيام محمد (صلى الله عليه وسلم).
ولو بعث الله الوليد بن المغيرة لأعجبته لغة صاحبنا هذا الذي أحدثك عنه.
إن دراسة أحكام العربية نحوها وصرفها وبلاغتها وما إليها ليس لها من غناء إلا أن تدعمها مخالطة النصوص القرآنية والعربية الفصيحة قبل أيام المحسنات اللفظية التي قد تشبه جداً لغة كهان الجاهلية.
قلت: " قد تشبه جدا.. " إن قد هنا للتقليل " وجداً " للتكثير، فكيف يجتمعان؟
قال: " قد تشبه " معناها: قد كانت تشبه، إن قد هنا كهي في قوله تعالى: " ولقد نعلم أنك يشق صدرك بما يقولون " فعل ماض في صورة مضارع، وأحسبنا تعرضنا لمثل هذا في أحاديثنا الماضية.
قلت: نعم إلا أنه يشتبه الأمر علينا كثيراً في كثير من النصوص القديمة، فلا يتبين بصفة قاطعة أفعل مضارع أم فعل ماض، ذلك الذي تلا قد؟.
