/ صفحه 27/
أنبياء بل رسل حيث إن أقوالهم تشريعات أو قوانين من التزم أحدها فلا حرج عليه، وإن كان مناقضا لمجتهد آخر. والمجتهد مصيب أبداً لا يجوز عليه الخطأ. فإذا اعترضت بأن المصيب له أجران وللمخطئ أجر واحد أجابك بأن الخطأ هنا ليس في عين الاجتهاد أو الحكم أو الرأي، بل في السند أو الدليل، فهو له أجر واحد لأنه قصر في البحث والاستقصاء، ولو أنه جهد أو اجتهد أكثر مما فعل لم يخطئ " السند " فهو موجود على كل حال، وقد يجده غيره ـ أحد تلاميذ الشيخ المجتهد الذي لم يوفق إلى أصل رأيه مثلا ـ فرأى صاحب هذا الرأي أن المجتهد ـ من حيث الاجتهاد ذاته والحكم الذي ينجم عنه ـ مصيب حتما … ثم هو يزيدك أنه معنى وسطية الشريعة المحمدية تلك الخصيصة العجيبة حقا، فهي ذات مصادر سابقة، وأخرى لاحقة، فالرسالات والكتب السماوية التي جاء القرآن مصدقا لها مصادر تشريعية لنا، وأقوال العلماء من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كذلك هي مصادر تشريعية، فالملة السمحة لها ما قبلها: ما جاءت مصدقة له فهي منه وهو منها، إنه دين الله واحد مذ أرسل أول رسول حتى جاء سيدنا وآخرهم عليه الصلاة والسلام، ولها ما بعدها مما جاء به أبناؤها الذين نشأوا تحت ظلها … على انه مهما يكن الرأي في هذا الذي وسع على المسلمين بقدر ما أدى إليه اجتهاده، فإن الذي لا شك فيه أن اختلاف الرأي بين المسلمين إلى حد التضاد والتناقض تيسير ورحمة، ولكن ضيق الطعن ـ أو كما يقال الآن: ضيق الأفق ـ والعصبية وسوء النية وما شاء الله مما ابتلى به المسلمين قلب الفرج حرجاً.
قلت: لقد أتى على المسلمين حين من الدهر كانوا يستطعيون خلاله أن يتحللوا من ربق كثرة المذاهب فيدمجوها مذهباً واحداً يلتزمه المسلمون جميعاً.
قال: كالمستجير من الرمضاء النار! فهذه أسوأ من تلك.. لقد أراد أحد الخلفاء العباسيين مالكا رضي الله عنه على أن يلزم المسلمين مذهب مالك، وهو حسبهم فيما يرى الخليفة، ولكن مالكا رضي الله عنه كان باتاً في رفض هذا الذي عرضه الخليفة، ذلك بأنه لم ينس كما نسيت أنت الان، وكما نسى الخليفة حين ذاك
