/ صفحه 26/
منذ الحرب العالمية الاولى، أما قبل هذا التاريخ، وقبل إنشاء المعاهد الدينية حين كان طلبة العلم كلهم يقصدون إلى الأزهر في القاهرة، فقد كان الاختلاف المذهبي يعني عداوة تشتد أحياناً فلا يغني فيها ما كانوا يسمونه " السلاح الأحمر " فلا يكون بد من الرجوع إلى الهراوات الغليظة يحكمها طلبة العلم فيما شجر بينهم من خلاف، فتكون " المواقع " و " الأيام " فيوم كذا كانت الدائرة للمالكية على الحنفية، والأيام دول، فهؤلاء المنهزمون يتربصون الدوائر لعدوهم، وهم لابد ثائرون منتصفون.
قلت: ولكني كنت أسمع إخواننا بمعهد أسيوط ـ وكان فيهم مخضرمون أدركوا القديم ـ يقولون: إن المالكية لم يذوقوا الهزيمة قط، وإن الحنفية على العكس لم يكونوا غير منهزمين قط، ذلك بأنهم كانوا مترفين ناعمين لا يعنيهم إلا المظهر، فهم يتهيئون ليكونوا قضاة شرعيين على خلاف المالكية الذين كانوا لا يعنيهم إلا الجوهر، فهم يطلبون العلم للعلم لا لحطام الدنيا الذي هو عرض زائل، فأما الحنفية فما تحنفوا إلا ابتغاء الحياة الدنيا أو المال أو كما قال الشاعر المالكي:
تحنفتمو للمال تبغون جمعه فعما قريب تسحبون لمالك
لقد أعرضوا عن مذهب صاحب دار الهجرة، جار الرسول، مالك الذي لا يفتي وهو بالمدينة، فهم ـ جزاء وفاقا ـ مجرورون مسحوبون على وجوههم إلى مالك آخر لا يجدون عنده علماً ولا فتيا: إنه مالك خازن النار.
قال: أصحابك بمعهد أسيوط لابد مالكية وأنت مالكي، وقد جمعتكم العصبية البدائية الساذجة، وإلا أفتراكم عند الله أوجه وأكرم وآثر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فلقد عرف الهزيمة وذاقها شر مذاق … إنك لو كنت وكان أصحابك حنفية لكان لك حديث آخر تجمع فيه للحنفية إلى جمال المظهر صدق المخبر أو الجوهر، إنه لعجب حقا أي عجب ذلك الذين تمخض عنه اختلاف أئمة المسلمين، فهو ـ أصلا وحقيقة ـ توسيع وتيسير وفرج من حرج، يقول لك بعضهم: في شرح " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " إن علماء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم
