/ صفحه 268/
علماً كعلم البلاغة ما زال واقفاً عند المقاييس التي تعتمدها شروح التخليص؛ ولا نجد محاولات لتغيير الطريقة أو الأسلوب أو الأمثلة إلا قليلاً.
وقد نجد هذا نفسه من كتب التفسير، فربما فتحنا عدة كتب لنقف على تفسير جملة أو آية أو تجلية معنى من المعاني، فنجد جميع المفسرين في هذه الكتب متفقين ـ أو يكادون ـ على كلام واحد، وأسلوب واحد، وسبب هذا أن كثيراً منهم كان يلزم نفسه بكتاب قبله من المطولات، فهذا يخرجه وسيطاً، وهذا يخرجه وجيزاً، وهذا يعني بتلخيص بحوثه البلاغية، وهذا يلخص أحكامه الفقهية.. وهكذا، فجاء كثير منها متشابه العبارات والأفكار، وكأنها نسخ مكررة مصغرة بمقاييس مختلفة لكتاب واحد.
والواقع أن ميدان التفكير في القرآن واسع، وهو كميدان التصوف والتفكير في الله، فيجب أن يسلكه كل كفء له، ولكن على وتيرته الخاصة، وبطابعه الخاص، كما إن لكل متصوف طريقته وأسلوبه في معرفة الله، وفي التفكير في عظمته، واجتلاء صفات جلاله وجماله، فقد ينكشف للمتأخر ما لم ينكشف للمتقدم، وقد يؤثر في المعاصرين أسلوب جديد في العرض أضعاف ما يؤثر فيهم أسلوب قديم، ومن عاش في زمان لابد أن يتعامل بأسلوب هذا الزمان، وأن يحسب حساب أفكاره وأحواله ومقاصده ومراميه وآماله وآلامه ولغته وطريقة عرضه، وما فيه من نقط ضعف ونقط قوة، وما له من نواحي استقامة ونواحي اعوجاج، كل ذلك يجب أن يدخل في حساب من يتناول القلم ليكتب، ومن يجلس مجلس المؤلف والموجه، ولا سيما إذا كان تأليفه وتوجيهه عن طريق التفسير وخدمة الذكر الحكيم، وأما الذين لا عمل لهم إلا أن يستعيدوا ما كان، ويرددوا ما قيل دون تصرف فيه، ولا تحول حتى عن اسلوبه وألفاظه، وجدله ونقاشه، فليس لهم في معترك الأقلام والأفكار الآن مجال.
* * *
6 ـ وفي عصرنا الحاضر تيارات إلحادية، ونزعات مشككة، ومحاولات عنيفة للتخلص من سيطرة الدين عامة، ومن استمرار المجتمع الشرقي، متسما بطابع