/ صفحه 267/
فبيان الرسول للقرآن هو حكم من أحكام القرآن نفسه، وكون الرسول شهيداً على الأمة حكم من أحكام القرآن كذلك، أي أن بيانه يجب أن يقبل، وشهادته يجب أن تعتبر هي الفصل فيما فيه يختلفون، وهي التعديل والميزان المعتمد الذي يرجع إليه المعرفون للحق، ولكن يجب أن يوثق بأن كذا هو بيان الرسول، وأن كذا هو شهادة الرسول، وذلك بالفحص عن صحة الرواية سندا، والاطمئنان إلى إن معناها مما لا يأباه القرآن، أو ينافر روح القرآن، فقد يرد المروي لقادح يقدح في معناه، أو في سنده.
* * *
5 ـ ثم إننا نجد بعض كتب التفسير تورد كثيراً من الأقوال المروية المسندة إلى الصحابة أو التابعين، ويسمون ذلك: " التفسير ـ بالمأثور " وأحياناً نجد هذا المأثور متعارضا أو متضاربا، فيقف القارئ الوسط أمامه مضطربا، لا يدري ماذا يأخذ وماذا يدع، ويحتار العالم، ويجد كثيراً من الصعوبات، إذا حاول إن يزيف هذه الرواية ويرجح تلك، أو يجمع بين هذه الروايات التي تبدو متعارضة، وبذلك ينصرف الجهد إلى خدمة هذه الروايات نفسها، والى التفكير في نطاقها؛ والفرض أن التفكير كان يجب أن يسير في نطاق التفسير، وأن الجهد يجب أن يوفر لفهم كلام الله تعالى، لا لفهم كلام الناس في تفسيره.
نعم إن مفسر القرآن لابد أن يمر به ذلك، وأن يزاحمه على القرآن، وأن يحمله على المناقشة والمجادلة وتقليب الآراء، لكننا جر بنا كثيراً أن الانسياق في ذلك يخرج بالمفسر المعاصر عن أسلوب عصره، ويرده إلى الوراء فيصبح واحداً من الذين تقدم بهم الزمان في القرون الأولى، وهؤلاء من غير شك فطاحل العلم وأئمته ورواده الأولون، والناس من بعدهم عالةٌ عليهم، ولكن حكم الزمان، واختلاف الأحوال، وتلون المعارف والأفكار؛ يجب أن يكون له حساب، ولم يحفظ الله كتابه الكريم أبد الدهر، إلا لتتنافس فيه العقول أبداً، وتتلاقي عليه أفكار المتأخرين، كما تلاقت عليه أفكار المتقدمين.
وقد وقف بعض العلوم عند الحدود التي تركها عليها المتقدمون، فترى مثلا