/ صفحه 266/
بتقريبه لغير أهله، وإشعارهم بأنه معهم: يمضي في طريق حضارتهم، ولا يقاوم أساليبهم في المدنية والحرية... وما إلى ذلك مما يخدعون به أنفسهم، وإن ظنوا أنهم يخادعون الله والذين آمنوا ـ فذلك هو الشطط والتزوير.
ويقابل هؤلاء المجددين في الطرف الآخر قوم آخرون يفعلون فعلهم، ويسلكون طريقهم، مع فارق واحد، هو أنهم لا يحملون القرآن إلا على قديم ألفوه واستقر في نفوسهم، وورثوه عن سلفهم، فكلما دخلوا في دراسات قرآنية تمثلوا قديمهم هذا وأفكارهم تلك الرجعية البالية، فكانت لهم روحاً يستلهمونها ويرجعون إليها، ويلوون القرآن ليطابقها ويؤيدها، فهوؤلاء من اولئك، وفعلهم من فعلهم، وحكمهم على القرآن من حكمهم، وإن كان لكل وجهة هو موليها: هذا لما جمد عليه من قديم، وذاك لما اغتر به من جديد.
والخلاصة أن القرآن رأس بذاته، له مقاييسه ومثله ومبادئه، وبهذه المثل والمبادئ جعل الله المسلمين أمة وسطا، وجعلهم شهداء على الناس، أي أن أحكامهم وطابعهم ومثلهم هي الشهيدة على العالم، وهي المقاييس الصحيحة التي يرجع إليها الناس جميعاً ويستشهد بها الناس جميعاً، وتعدل بها الاذواق والأحكام والمناهج، لا أن تكون هي المعدلة والملونة بأذواق الآخرين، وأحكام الآخرين، ومناهج الآخرين.
4 ـ ولا ينبغي لأحد أن يعترض علينا في هذا المقام بالسنة النبوية ومنزلتها من الكتاب، فيفهم مما قلناه أن القرآن يجب أن ينظر إليه وحده حين يراد تفسير معانيه، وحين يراد معرفة أحكامه ومراميه، وألا يكون للسنة مدخل في ذلك، لا ينبغي أن يقال هذا، فإن القرآن نفسه قد أعطى السنة الصحيحة حق البيان، وجعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) شهيداً على المسلمين.
فالله تعالى يقول مخاطباً رسوله الكريم: " وأنزلنا إليك الذكر لتُبيّن للناس ما نزل إليهم " (1)، ويقول مخاطباً أمته: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " (2).

*(هوامش)*
(1) الآية 44 من سورة النحل.
(2) الآية 143 من سورة البقرة.