/ صفحه 265/
وإدراك مراميها بغيرها، ولا يمكن أن يكون وهو الحاكم محكوماً عليه، ولا أن يكون وهو الأصل فرعا لغيره من الآراء والأفكار.
* * *
3 ـ وشئ ثالث هو أن كثيراً الدراسات القرآنية قد تناولوها بروح تطويع القرآن للمثل الحديثة، والمقاييس الحضارية، التي اخذ بها الناس، أو تطلعوا إلى الأخذ بها، ولذلك نرى من يحاول أن يحمل آيات القرآن على أن تفيد مثلا، أن تعدد الزوجات محرم في الإسلام. لأن القرآن يقول: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة "، " ولن تستطعيوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم " وهي سوقية في التفكير والاستدلال، سببها الولوع بتطويع القرآن لما يأخذ به أهل الحضارة والمدنية في عصرنا الحديث ـ وإن كان أخذهم به صوريا نظريا فقط ـ من إنكار مبدأ تعدد الزوجات، بينما هم يبيحون تعدد الخليلات.
وقل مثل ذلك عن الذين يقبلون على الدراسات القرآنية ليلتقطوا ـ في غير إخلاص للحق ولا لقداسة العلم ـ الفاظاً أو جملا لها ظاهر لا يمكن أن يكون مقصوداً، ولا يمكن أن ينسجم مع غير هذا الموضع من مواضع القرآن الكريم، ولكنهم يلتقطونه ويتمسكون به، ويحرصون على أن يقدموه الناس على أنه مطابق للإصلاح الحضاري أو التقدم المدني، وقد نسوا أنهم بذلك يجرون القرآن في المضمار الذي أجراه فيه أرباب التعصب من أتباع المذاهب الفقهية أو الفلسفية، ولعل مجازفة هؤلاء أشد من مجازفة أولئك، فما كان كتاب الله بتابع لفكرة، ولا لمذهب، ولا لاتجاه معين في أي شأن من شئون الحياة، وإنما هو قائد متبوع له أحكامه المستقبلة الثابتة، سواء أوافقت هذه الحضارة أو تلك، أم لم توافق لا هذه ولا تلك.
إن على الذين يدرسون القرآن أن يقرروا أحكامه هو، ومُثله هو، ومبادئه هو، وأن يقولوا: هذا هو القرآن، أما أن يتصوروا مثل أوربا أو أمريكا، أو ما عظم في أعينهم من المثل أيا كانت، ثم يحملوا القرآن عليها، ويطوعوه لها، ويظهروا ذلك أحياناً في صورة التجديد، وأحيانا في صورة التحبيب في القرآن