/ صفحه 264/
وألفاظه على قواعد النحو حيناً، وعلى مروي القراءات حيناً، وعلى تفاصيل التقديم والتأخير، والحذف والذكر، والوصل والفصل، في حدود ما عرفه السكاكي والجرجاني والخطيب ومن إليهم، من علماء الصناعة اللفظية أو المعنوية، نحوية، أو بلاغية، أو روائية.
إن هذا أشبه بخدمة غرض النحويين والبلاغيين وأهل القراءات منه بخدمة غرض القرآن نفسه، والغاية المقصودة منه ككتاب هداية للتي هي أقوم. فهذه الطريقة تجعل من آياته موضوعات لتمرينات مختلفة، وتطبيقات متنوعة، وإن تخللها في كثير من الأحيان بيان للأحكام، أو توجيه إلى الجمال الفني، أو إظهار لأسلوب الهداية والارشاد، أو تعريف بما تتضمنه الآيات من إيحاء، أو اشارة، أو تنبيه، إلى غير ذلك مما لا يخلو منه تفسير في العادة.
* * *
2 ـ وهناك ناحية أخرى، هي أن قليلا من المفسرين هم الذين عنوا بإيراد الآيات المشابهة ليستعينوا ببعض القرآن على فهم بعض، كما أن قليلاً منهم هم الذين عنوا بدراسة الأحكام القرآنية من واقع القرآن نفسه، فترى أكثرهم يلتمس المناسبة القرآنية ليفيض في تفصيل أحكام أو معارف جاء بها الفقهاء، أو أرباب المذاهب الكلامية، ولا يهمه إلا أن يورد تلك الأحكام، وينهض بتفصيل تلك المعارف، سواء دل عليها القرآن دلالة واضحة، أو لم يدل عليها، فحسبه إن لفظاً قرآنيا جاء في آية من الآيات، فيتخذ من هذا اللفظ فرصة لتسجيل ما يعرف، وما يجمع من المعلومات الفقهية أو الكلامية، وبذلك يصبح تفسيره للقرآن كتاب فقه، أو كتاب فلسفة، أو كتاب خلاف... الخ.
وهذه الطريقة أيضاً ليست من الطرق المثلى في التفسير، فإن القرآن كتبا مستقل، له طابعه الخاص، وله حدوده وأقطاره الفكرية والتشريعية، يحب أن يفهم بدون تكلف، ولا ليَّ، ولا حمل، ولا تخريج، ولا تأويل، ولا رغبة في نصرة مذهب، أو هدم مذهب، وإن هدايته لا تحتاج إلى أن يستعان على فهمها