/ صفحه 263/
الذي هو التنقل والمراوحة والتخوُّل، وبث العظة في تضاعيف القول، والوقوف عند العبرة لتجليتها، والتوجيه إلى مغزاها، وانتهاز الفرصة أينما واتت لدعم العقيدة السليمة، والمبادئ القويمة.
إن هناك فرقا واضحا بين من يحاول أن يفعل ذلك، ومن يحاول أن يجعل القارئ يلمح الروح الساري، والبيئة المعنوية الخاصة التي تجول فيها السورة، دون أن يخرج التنزيل الحكيم عن سنته، وأسلوبه الذي انفرد به، وكان من أهم نواحي الإعجاز فيه.
وهذه الطريقة في الدراسة القرآنية أجدى على الناس من تتبع الآيات آية بعد آية بحسب ورودها في السورة، ومن تتبع جمل كل آية، وكلمات كل آية، وأحياناً حروف كل آية ايضا، ليدرس كل ذلك على نحو من التفصيل أو الإجمال، أو على نحو من التطويل أو الايجاز، فإن ذلك لا يعطي المنظر العام، ولا يساعد على تصور عظمة السورة مجتمعة الملامح، منضمة التقاسيم، كاملة الوضع، ومثل من يكتفي بأن ينظر إلى سورة من سور القرآن هذه النظرة التفصيلية على هذا النحو، كمثل من يأتي إلى بناء شامخ عظيم فيشتغل بالتأمل في مادة بنائه، وفي نوع أحجاره، ولبناته التي كون منها، وفي أخشابه، وحديده، ومعادنه، ومقابض أبوابه، ومفاتحه، ونحو ذلك، فيشغله هذا عن مرآه العام، وعظمته التي تجتليها العين حين تنظر إلى جملته كبيت أو كصرح عظيم.
نعم إن هذا لا يغني عن ذاك، فالجملة لا تغني عن التفصيل، والتفصيل لا يغني عن الجملة، لكن القصر أو الصرح إنما كان قصراً أو صرحاً بجملته، أما كون خشبه كذا، أو حديده كذا، أو مادته كذا؛ فذلك درس للخشب، أو للحديد، أو للأحجار... الخ، وليس درساً للقصر أو الصرح من حيث إنه قصر وصرح.
فالقرآن الكريم يجب أن يدرس من كل ناحية، وهو قد درس فعلا من عشرات النواحي المختلفة، ولكنه ـ ككتاب هداية ذات طابع خاص، له هيمنته على القلوب، وتأثيره في الأرواح ـ لا يمكن أن تجتلى هذه الناحية فيه بتطبيق كلماته