/ صفحه 257/
أو الإجماع ـ لابد أن تنتهي إلى بديهة العقل، وإلا كانت جهلا وتضليلا... إن جميع أدوات المعرفة تستعين بالعقل ولا تستغني عنه بحال، ولولاه لم تكن شيئا، أما العقل فيستغني عن غيره في أحكامه العقلية المحضة، كحكمه بأن الواحد لا يكون قديماً وحادثا، وأن النقيضين إذا صدق أحدهما كذب الأخر، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وما إلى ذلك من الحقائق التي لا تمت إلى الحواس والتجربة بسبب... نقول هذا، مع العلم بأن حديثنا هذا لا يجدي الماديين شيئا، لأنه حديث العقل، والعقل بزعمهم غير موجود، لأنه ليس موضوعا من الموضوعات التجريبية.
أجل، إن المعاد لم يقع بعد، بل لا ندري متى يكون (1)، ولكن أهل العقول النيرة قد أجازوا وقوعه، ولم يقل واحد منهم باستحالته، بل استعدوا له، واتخذوا جميع الاحتياطات من أجله، تماماً كما تستعد الدول المتحضرة، وتتخذ جميع الاحتياطات تجنباً لما يمكن أن يحدث من الكوارث، كالزلازل، وما إليها من ظواهر الطبيعة.
القرآن والجاحدون:
وهذا الدليل العقلي الذي اعتمدناه لإمكان المعاد نص عليه القرآن الكريم بآيات، عليها طابع النقاش والجدل العلمي مع منكري البعث والنشور، فبعد أن ذكر الكتاب العزيز شبهة الجاحدين، والأدلة التي استندوا إليها في جحودهم، رد عليهم بمنطق العقل والواقع: " قال من يحيى العظام وهي رميم قال يحييها الذي أنشأها أول مرة " وهذا تعبير ثان عن طريقة النجفيين والأزهريين، حيث يسردون جميع الآراء، ثم يمحصونها بأسلوب " إن قلت.. قلت.. ".
وليس من شك أنهم اقتبسوا أسلوبهم هذا من كتاب الله الذي يجادل بالحكمة والموعظة الحسنة. ونكتفي هنا بآية من تلك الآيات التي تتصل بالمعاد، وجادلت الجاحدين له بالنظر وتأمل العقل، قال تعالى مشيراً إلى شبهة القوم: " وقالوا أإذا

*(هوامش)*
(1) يثبت العقل أن المعاد ممكن الوجود في نفسه، أما تعيين وقته فلا يمكن إثباته من طريق العقل، فان وجد دليل السمع أخذنا به، وإلا يبقى علمه عند ربي. والاية الكريمة التي نصت على أ نه قريب يراد بها الوقوع الاكيد، لأن كل آت قريب.