/ صفحه 256/
والإمكان، لأن العقل يقر هذه الأفكار، ويحكم بصدقها، وإن لم تستند إلى الحس والتجربة، أما الماديون الذين يقيسون صحة الفكرة بالانطباعات الحسية، وبالصورة عن الشئ الموجود بالفعل، فلا حجة عليهم في تصورات العقل، وإدراكه بان هذا الشئ لا مانع من حدوثه فيما بعد.
الجواب:
إن الاختلاف بيننا وبين الماديين في وجود المبدأ الأول للكون، وفي أمر المعاد، وغيرهما من القضايا الدينية ينحصر في هذا النقطة: هل التجربة هي السبيل الوحيد للمعرفة، أو يوجد سبيل آخر لها؟.
وقد تخلى الماديون عن أبسط القواعد الأولية وأوضحها، وأنكروا كل ما لا يدرك بالطعم والشم والسمع والنظر واللمس، ولا تناله آلات المعامل والمختبرات، فالله بزعمهم غير موجود، وإن قام على وجوده ألف برهان عقلي ودليل منطقي، لأن أجزاءه وأعضاءه لا تحلل في المختبر والمصنع … والمعاد باطل، لأنه لم يوجد في الماضي، ولا هو موجود في الحاضر … وبكلمة كيف يؤمن الماديون بالجنة ونعيمها، ولم يذوقوا لها طعما؟! وكيف يعتقدون بجهنم، ولم تصلهم بعد بنارها؟! (1).
وفيما سبق قدمنا الأجوبة المقنعة، ونعود هنا أخرى كعادتنا مع الماديين، لنلقي عليهم هذه الأسئلة:
هل إنكاركم لله والمعاد، وللعقل وأحكامه يستند إلى التجربة في المختبرات؟! وإذا كان الإيمان بالله واليوم الأخر وهما زائفا، لأنه لا يستند إلى التجربة، فهل كفركم بالله واليوم الأخر يستند إلى التجربة والتحليل في المختبرات والمصانع؟! ثم إيمانكم بأن التجربة هي السبيل الوحيد إلى المعرفة هل يستند إلى التجربة أو إلى العقل؟. وعلى الأول يلزم أن تفتقر التجربة إلى تجربة، وتتسلسل إلى ما لا نهاية.. وعلى الثاني يبطل قولكم بأنه لا سبيل إلى المعرفة إلا التجربة...
إن المعرفة ـ أيا كان مصدرها، سواء أكانت التجربة، أو المشاهدة، أو الوحي،

*(هوامش)*
(1) وأجابهم البعض بأن إنكاركم هذا كإنكار الطفل لذة الجماع الذي لم يباشره بعد.