/ صفحه 255/
إثباته سهلا يسيرا، أما إن كان المعاد ممتنعاً ومستحيلاً في ذاته فترفض الفكرة من البداية، ولا ينظر في صحتها بحال من الأحوال، لذا نحصر البحث في هذه النقطة، وهي إمكان المعاد في نظر العقل، فإن لم نجد مانعا عقليا من الإمكان انتقلنا إلى الكلام عن الوقوع.
دليل الإمكان:
إن معنى المعاد هو إيجاد عالم آخر ماثل لعالمنا هذا، يجتمع فيه الناس من الإنسان الأول إلى آخر إنسان، وعقدنا هذا الفصل للنظر في أن المعاد بهذا المعنى هل هو ممكن الوقوع، أو ممتنع ولا يمكن أن يقع بحال؟
وإذا رجعنا إلى فطرة الله ا لتي فطر الناس عليها، وجدنا أن إثبات الإمكان بهذا المعنى لا يحتاج إلى تجشم وتكلف، ولا إلى التطويل والإطناب بذكر المقدمات والتمهيدات، فيكفي أن نلقي نظرة إلى خلق هذا الكون، وفي ضوئها ننظر إلى إمكان المعاد. وليس من شك أن عالمنا هذا موجود، وحاصل بالفعل، وبديهة أن الوقوع فرع الإمكان، إذ لو كان ممتنعا لما وجد، وإذا كان هذا العالم ممكنا فإيجاد عالم مماثل له يكون ممكناً أيضاً بالضرورة، لأن وجود أحد المتماثلين يدل على إمكان وجود المماثل الآخر، وإلا لم يكن مماثلاً، وهو خلاف المفروض، ولو سألنا إنساناً عادياً: هل يستطيع باني هذه الدار أن يبنى مثلها؟ لاستغرب هذا السؤال، لأن جوابه معه، ويدل عليه بنفسه.
وبالتالي، فإن إمكان الشئ في ذاته، أي جواز وقوعه وحدوثه في الخارج يعلم من وجوده في الخارج، أو من وجود نظيره، أو من وجود ما هو أبعد عن القدرة منه، فإذا كان الأبعد ممكنا فالأقرب أولى، لأن من بني قصرا يكون بناء الكوخ عليه أيسر، وإيجاد عالم آخر إما نظير، وإما أيسر، وعليه يكون ممكنا، وهو المطلوب.
الماديون:
وقد يقال: يصح هذا المنطق عند من يرى العقل أساس المعرفة، ويفرق بين الوجود إلى ما هو بالقوة وما هو بالفعل، ويقسم الوجود إلى الوجوب والامتناع
