/ صفحه 254/
شريعة الغاب قسطاً وعدلا، وما عداها من الشرائع ظلماً وجوراً، قال إفلاطون: " لو لم يكن لنا معاد نرجو فيه الخير لكانت الدنيا فرصة الأشرار ".
وبالتالي يكون الوجود محض الشر، والعدم محض الخير، وهذا عين ما يقوله الجاحدون، أو هو لازم قهري لما يقولون.... وصدق الله العظيم الذي أنزل على نبيه الكريم: " ولا تكونوا كالذين نسوا ا لله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون " 20 / الحشر.
الوقوع فرع الإمكان:
إذا قال لك قائل: رأيت في بعض البلاد نباتاً يتكلم العربية الفصحى، أو قال: انه رأى أعمى يميز بين ألألوان، فإنك لا تتردد في رد قوله هذا دون أن تطلب الدليل على صدقه. إذ ليس من شأن النبات أن يتكلم، ولا من شأن الأعمى أن يبصر، أما إذا حدثك عما يمكن وقوعه، كما لو قال: قطعت المسافة بين بيروت وباريس في ست ساعات فإنك لا تجد أية غرابة في ذلك، لأنه جائز وممكن في ذاته فمرحلة الوقوع والحدوث خارجاً تتوقف على مرحلة الإمكان، فإذا سمعنا بحادثة ينبغي أن ننظر أولاً هل حدوثها ممكن؟ فإن رأيناه كذلك، انتقلنا إلى المرحلة الثانية، ونظرنا هل هي واقعة؟ أي هل هناك دلائل تدل على الوقوع؟ فإن كانت آمنا بوجودها، وإلا لم نحكم بشيء إيجابا ولا سلباً، ونظير ذلك ما قاله الفقهاء في باب القضاء من إن لسماع الدعوى شروطاً، منها إن يكون المدعي به ممكن الوقوع، أما إذا كان محالا، فلا يقبل من المدعي أن يثبت المحال، مثال ذلك أن يدعي شخص على آخر أنه يستحق عليه أجرة ثلاثين يوماً، لأنه علم عنده من أول شهر شباط إلى آخره، فلا يقبل منه، والحال هذه، أن يثبت أن شهر شباط ثلاثون يوماً، فالأصل في تصديق أية قضية من القضايا دينية كانت أو زمنية ان تكون ممكنة في ذاتها، يجوز في نظر العقل أن تحدث، وأن لا تحدث، أما إذا كانت ممتنعة في ذاتها فلا تقبل، ولا ينظر في صحتها من الأساس.
والآن وبعد هذا التمهيد يتبين معنا أن إثبات المعاد يتوقف ـ أولا ـ على إمكانه في ذاته، وجواز وقوعه في نظر العقل، فإذا أثبتنا ذلك هان أمر الوقوع، وكان