/ صفحه 248/
فليس لمسلم أن ينكر حجية السنة شيعياً كان أو سنياً، وليس في هؤلاء وهؤلاء من يقول: هذا الحديث صح وروده عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومع ذلك فلا أعمل به، ولست ملزماً شرعاً بالعمل به، ولكن ربما يقول قائل من هؤلاء أو هؤلاء: هذه الرواية لم تصح عندي فأنا لا أعمل بها، وإننا لنرى هذا بين علماء أهل السنة أنفسهم في مختلف مذاهبهم، كما تراه بين علماء الشيعة في نطاق المذهب، ومع المذاهب الأخرى، فكم من أحاديث صحت عند فقيه ولم تصح عند آخر، وكم من أحكام فقهية خلافية انبنى الخلاف فيها على موقف كل من قبول حديث معين أو عدم قبوله ".
والواقع أنه لا غضاضة في ذلك ما دام الإخلاص هو رائد الجميع، وما داموا كلهم مؤمنين بالسنة كأصل من أصول التشريع، وبأنه لا يجوز لمسلم أن يرفض ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ويتلخص هذا المبدأ المسلم به عند الفريقين في أن الاختلاف ليس واقعاً في كبرى القياس، وإنما يقع أحيانا في صغراه، فإذا قلنا في قياس من الشكل الأول عند المناطقة: هذا الأمر قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكل ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجب العمل به. كان معنا مقدمتان، الأولى منهما: هي المعروفة عند المناطقة بالمقدمة الصغرى، والثانية: هي المقدمة الكبرى، فإذا سلمت المقدمتان صحت النتيجة، وهي هذا الأمر يجب العمل به.
فالمسلمون لا يختلفون في المقدمة الكبرى التي تقول: كل ما ثبت عن رسول الله يجب العمل به، بل كلهم يؤمن بها إيماناً لا يعتريه الشك، وكلهم يعتبر هذا الإيمان ركناً أصليا من أركان الإسلام، من شذ به عنه خرج من ربقة الإيمان.
لكن الخلاف حين يوجد إنما هو في المقدمة الصغرى التي تقول: هذا الأمر ثبت ورووه، فيقول بعضهم نعم ثبت فأقبله، ويقول بعضهم لم يثبت فأنا لا أقبله. ولذلك اشتهر بين علماء المناظرة قولهم في بعض الأحيان: هذا الخلاف صغروي لا كبروي، أو خلاف في الصغرى دون الكبرى، هذه حقيقة، وهناك حقيقة أخرى نؤمن بها ونعمل على تجليتها وندعو الناس إلى الإيمان بها:
