/ صفحه 245/
وبين خطب رنانة ومقالات عابرة، وليس معنى هذا أننا نقلل من قيمة أي مجهود بذل، فكل مجهود فردي سبقنا كان له تأثيره، ولكن في محيط محدود، ولزمن محدود، وسيجزي الله كل مجاهد عن الإسلام بمقدار ما قدم، ولعلنا انتفعنا كثيراً من تلك المحاولات الفردية، بل إننا على ضوء تلك الجهود أدركنا أن وضع الدعوة على أساس علمي مدروس، وعلى أكتاف رجال لهم قيمة ومكانة يضمن لها النجاح الشامل، كما يكتب لها الخلود، لأن كل علاج على أساس عاطفي سرعان ما يزول.
إن إثارة العواطف أمر سهل ميسور، وإن كلمة تلقي في ظروف مناسبة كفيلة بأن تحرك العواطف وتهز القلوب، لكن هذا التأثير بقد ما يكون سهلاً سريعاً تزول آثاره بنفس السرعة والسهولة بزوال الظروف المؤاتية، أو بطروء طارئ جديد، والعواطف كما يمكن إثارتها لفكرة ما، يمكن أن تثار على نفس الفكرة إذا هيجت ضدها، وإذا فرض وأثرنا اليوم على فرد من الأفراد أو مجموعة من الناس، فكيف نضمن غداً أن هذا الفرد أو هذه المجموعة لا تقع تحت تأثير من يخالفنا.
إن الرجل قد يكون من القوة الروحية والمنطقية بحيث يؤثر فيمن يستمع إليه، إلا أن ذلك التأثير محدود طبعاً بزمانه وبسامعيه، ومثل هذا لا يناسب دعوة تريد أن تبقى كأساس حي يرجع إليه في أي زمان ومكان، فلابد لها إذن من قواعد محددة، وآثار ثابتة، لتبقى كمرجع ثابت قوى، ولعل هذا يفسر لنا سر الإيحاء إلى كل نبي من المرسلين بكتاب سماوي، وليكون المرجع الثابت والأثر الباقي الذي يحكم الناس بقواعده، ويرجعون إلى تعاليمه.
وكيف يمكن أن تعالج على أساس عاطفي مشكلة عمرت قروناً، وملأت صحائف التاريخ، وتحصنت وراء الأقلام المفرقة أحياناً، والمأجورة في أكثر الأحايين، مشكلة رسّخت في النفوس أوهاماً أصبح الناس يعتبرونها حقائق ثابتة.
تلك هي مشكلة كل فريق في كل ما يصدر عن الفريق الأخر، بل في كل ما يعتقد به، مشكلة بغض كل فرقة للأخرى، واتخاذ البغض شعاراً يدفع إلى تصديق كل ما يقال في الخصوم، بل توهم كل ما ليس بحسن وإلصاقه بالخصوم.