/ صفحه 244/
انتشرت فيها دعوته، واجتذبت حولها خيرة العلماء والفضلاء في كل بلد من بلاد الإسلام، وأظهرت كفايات لم يكن أصحابها يجدون مجالاً للعمل فجنحوا إلى الصمت والانزواء، وكشفت عن شخصيات لها في العالم مكانة، وفي البيان قوة، وفي التفكير رشد وسداد، هذا فضلا عن أعلام من ذوى الزعامة الدينية يشار إليهم بالبنان، انضموا إلى هذه الدعوة، وجعلوها رسالتهم الأساسية، يؤدونها ابتغاء مرضاة الله، ويخدمونها تثبيتاً لدين الله.
هؤلاء وأولئك هم رجال التقريب المتنشرون في كل بقعة من بقاع العالم الاسلامي، وعليهم ـ بعد توكلنا على الله ـ نعتمد في تنفيذ هذا المشروع، والنتيجة بعون الله وتأييده مضمونة، فإن الله الذي هيأ الجو لدعوة التقريب فنجحت بفضل إخلاص هؤلاء الرجال وتفانيهم، وسيهئ الجو ويعين على تنفيذ هذا المشروع، وسينفذ بإذن الله على مراحل، وستوزع الأعمال على علماء الفريقين في مختلف البلاد. فلنا إذن أن نطمئن السائل الكريم.
أما عن سبب حاجة التقريب إلى مشروع ضخم كهذا، رغم نجاح دعوتنا، فإن نظرة واحدة إلى سير الدعوة يكشف عن سر نجاحها، إنها نجحت لأنها جاءت. على أساس علمي، وجعلت البحث العلمي وسيلة لعلاج ما أرادت إصلاحه، ولهذا السبب كانت محددة الأهداف، بعيدة عن الارتجال، بعيدة عن مسايرة العواطف، فإن السير على أساس من العلم والدراسة هو في نظرنا سبب النجاح.
إن التقريب الذي كان يوماً أملا وحلما في صدور المصلحين، أصبح فكرة مدروسة، ودعوة عالمية عالية، وهو اليوم حقيقة واقعة ملموسة.
فملخص القول أن دعوة التقريب جاءت لتكون ـ في الإسلام ـ مدرسة فكرية علمية، لها قواعدها وأسسها، جاءت لعلاج التفكك والاضطراب اللذين سببهما سوء فهم الخلاف المذهبي على حقيقته، جاءت لتضع الأمور في نصابها بالنسبة لأي خلاف، فلم تحاول إجراء علاج مؤقت، أو تخدير موضع المرض، أو تهدئة الخواطر بكلمات معسولة، وإنما جاءت لتكون مدرسة منهاج واضح، وهدف محدود، وشتان بين مدرسة فكرية تقوم على أسس مدروسة، وقواعد محدودة،