/ صفحه 240/
وإنما بني الفعل للمجهول فجاء " إذا قيل لكم " وإن كان القائل معلوماً وهو الرسول، للدلالة على أن التثاقل عن دعوة الجهاد في سبيل الله من أي داع كان لا ينبغي أن يكون من المؤمنين، فيشمل الرسول وغيره من كل من يدعو إلى الجهاد في سبيل الله.
سر توجيه الإنكار إلى الجماعة وفيها المخلصون المسارعون:
ولعل سائلاً يسأل هنا ويقول: كيف يوّجه هذا الإنكار، وذلك التوبيخ إلى جماعة المؤمنين، وفيهم من لبى الدعوة وبذلك المال دون أن يتثاقل، ودون أن يؤثر متاع الدنيا على متاع الآخرة، بل لباها، وأسرع إليها، ابتغاء مرضاة الله، وإعراضاً عن متاع الدنيا الفاني، وإيثاراً للمتاع الباقي.
وفي جوابه نقول: هو وإن كان إنكاراً وتوبيخاً لجماعة المسلمين إذ ذاك، غير أنه تعليم عام، وإرشاد شامل لجماعة المسلمين في كل مكان، وفي كل عصر، وهو بذلك يقرر شأناً للمؤمنين لا ينبغي أن يزايلهم، وهو مسارعتهم لدعوة الجهاد وعدم الإخلاد إلى الأرض، وإذا كان المسلمون جميعا في ذلك الوقت لا يصدق عليهم موجب هذا الإنكار، فان أطوار المسلمين التي أعقبت هذا الجيل الأول منهم قد تحقق فيها موجب ذلك الإنكار بالنسبة لجميعهم، وما عهدنا الحاضر إلا أكبر مظهر من مظاهر التثاقل التي انضوى تحت ظلها جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فهو الآن خطاب لهم جميعاً، وخطاب واقعي بالنظر إلى ما صاروا إليه من التفرق، وشتات الأمر، وضعف السلطان، اثاقلوا، وأخلدوا إلى الأرض، ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة.
على أن خطاب المؤمنين في ذلك الوقت، وفيهم من لبي الدعوة، دليل واضح عن التضامن الذي يجب أن يكون بين المؤمنين، وعلى أن تثاقل نفر منهم محسوب على الجميع، وأن جماعتهم مسئولة عن أفرادهم، وهذا هو الشأن العام في التكاليف الإلهية، ومن هنا كان التواصي بالحق، والتآمر بالمعروف، والتناهي عن المنكر، من المبادئ التي يشاد عليها صرح الحياة الإسلامية.