/ صفحه 239 /
إنكار وتقريع للتثاقل عن دعوة الجهاد:
" يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم... " الخ. ينكر الله على المؤمنين تثاقلهم، وإخلادهم إلى الأرض حين دعوتهم إلى الجهاد، ويسوق ذلك في صورة الاستفهام عما أصابهم وهم مؤمنون، فألهاهم عن واجب الإيمان " ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض "(1)، ثم يفترض ألا سبب يحملهم على ذلك التثاقل سوى ما لا يختاره عاقل، وهو الرضا بحياة الذل والاستعباد، عن حياة العز والقوة " أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل " فمتاع الدنيا متاع لا يسلم من تنغيص، وهو بعد زائل، أما متاع الآخرة فمتاع العز والشرف، وهو متاع دائم وكثير.
الأمة كلها جيش:
ويدل توجيه الخطاب إلى المؤمنين عامة على أن الجيش في الإسلام هو كل الأمة، ولا يعفى من الجندية سوى من ذكروا في قوله تعالى: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله " حصر سبب المعافاة في الضعف بعجز أو شيخوخة، وفي المرض، وفي عدم القدرة على الإنفاق، وهذا الأخير، كان بحكم النظام السائد إذ ذاك من أن المجاهد يجهز نفسه، وقد صار الآن إلى غير ذلك، والدولة هي التي تجهزه.
وفي القرآن آيات تشير إلى كثير من قواعد التنظيم العملي للحرب، وقد أوردناها في رسالتنا " القرآن والقتال " كما تحدثنا فيها عن سبب القتال في الإسلام، وعن القوة المعنوية، والقوة المادية، وحث القرآن عليها توفيراً لأسباب النصر، وفي سورة النساء والتوبة والأحزاب عناية تامة بتطهير الجيش من عناصر الفتنة والخذلان. وإذا كان الجيش في الإسلام هو كل الأمة فتطهيره هو تطهير الأمة.

*(هوامش)*
(1) ضمن الفعل معنى الميل والأخلاد. والأرض: إما متاع الدنيا أو أرضهم وبلادهم و (من) معناها: (بدل) ولم يذكر متاع الآخرة للدلالة على أن الآخرة لذاتها أبقى من الدنيا مع ما فيها من متاع.