/ صفحه 238/
أما الآخرون، فمنهم من استأذن الرسول في التخلف، ومنهم من انتحل الأعذار، ومنهم من اخذ يثبط همم الضعفاء من المسلمين، ويثر الفتن والأراجيف. على الرغم من كل ذلك فقد أكمل الله لرسوله ما أراد، وتم إعداد الجيش، وخرج في رجب من تلك السنة ويدفع بعضه بعضاً، وتتدافع جنباته في جوف الصحراء، مثيراً أمامه، وعلى جانبيه من النقع، ما كاد يصل إلى القوم نبؤه حتى وقع الرعب في قلوبهم، والذعر في نفوسهم، والنكوص في نيتهم، وآثروا الرجوع إلى بلادهم، والالتجاء إلى حصونها خوفاً من سطوة المؤمنين الصادقين.
وصل الجيش إلى تبوك ولم يجد للروم أثراً، وأقام بها أياما يتحدى بقوة الإيمان من تحدثه نفسه بالنزال أو المقاومة، وقد انتهز النبي الفرصة وأخذ يعمل على تأمين الحدود، فعاهد أمراءها، وأقام بهذه المعاهدات المعاقل بينه وبين الروم، ثم عاد الجيش إلى المدينة بعد أن حصن رقعة الإسلام من إغارة المغيرين، ذلك التحصين الذي لم يفقه سره المنافقون، أو فقهوه، وملأهم حقداً وضغينة، فأخذوا ينفثون سموم حقدهم وضغنهم في ضعاف المسلمين، وكان منهم ما كان من صور الكيد والإيذاء التي دبروها للنبي وأصحابه في الخروج وفي الذهاب، وفي المدينة، والتي لأجلها، ولتطهير المسلمين من آثارها نزلت تلكم الآيات، وكانت هذه آخر أهبة، وآخر خروج للغزو في حياة الرسول، وهي وإن لم يحصل فيها غزو ولا جهاد، فقد حصن المسلمون بها حدودهم، وكشف الله بها عيوب المنافقين، وأدب بها ضعاف المسلمين.
وقد ظل النبي (صلى الله عليه وسلم) مشغولاً بأمر الروم اعتقاداً منه أنهم لا يعدلون عن غزو المسلمين، فجهز في آخر حياته لغزوهم الجيش الذي أنفذه ممن بعده (صلى الله عليه وسلم)، خليفته الأول أبو بكر رضي الله عنه بقيادة أسامة بن زيد، وبه توالت الفتوحات الإسلامية في الروم والفرس، وامتدت كلمة الله على معظم أجزاء المعمورة في عهد خلفائه الراشدين.