/ صفحه 237/
غزوة تبوك وظروفها:
سلم الجيش ورجع إلى المدينة، وكانت هذه الموقعة أولى المواقع بين المسلمين والروم، وبعدها فتح المسلمون مكة، ثم جاءت السنة التاسعة، وتوالت الأنباء للنبي (صلى الله عليه وسلم) بأن الروم جمعوا للمسلمين الجموع، واعتزموا غزوهم في بلادهم، فأمر النبي أن يتجهز المسلمون ويأخذوا عدّتهم ويخرجوا إلى تبوك لقتال الروم في بلادهم قبل أن يفاجئوه في بلده.
أعلن النبي النفير العام، وأعلن على خلاف العادة أن تبوك هي الوجهة التي يقصد، ويعلم المسلمون أن بينهم وبين تبوك أربع عشرة مرحلة " تقدر بنحو 692 كيلو " تقطع في صحراء جرداء، يقل ماؤها، ويجف ضرعها، ويشتد حرها، والعدو معروف بوفرة العَدد وكثرة العُدد، وهو بعد في بلاده، تسرع إليه المؤونة والذخيرة، والوقت وقت نضج الثمار وجنيها في المدينة، والمسلمون في أعقاب حرب الطائف وحنين.
أما هذه الاعتبارات، وفي المسلمين مؤمنون صادقو الإيمان، يضحون براحتهم وأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وفيهم ضعفاء، تهزهم مشقة الطريقن وشدة الحر، وبعد الشقة، والحرص على الثمار، ورهبة العدو القوي. وفيهم منافقون، أعلنوا الإسلام رغباً أو رهباً، وسخروا في نفوسهم من محمد أن يدعو لقتال بني الأصفر، وأخذا يثبطون، ويعتذرون، ويثيرون الفتن والأراجيف، ويدبرون الكيد، ويضعون العراقيل.
أمام هذا كله سارع المؤمنون المخلصون إلى تلبية الدعوة بأموالهم وأنفسهم، يجهزون الجيشن ويعدون العدّة، وقد خرج أبو بكر حينئذ من كل ما يملك، كما قام بنصيب الأسد في التجهيز عثمان بن عفان، بذل الالآف، وجهز المئات من البعير والخيل، وجهز هو وغيره الفقراء الأقوياء الذين جاءوا إلى النبي بأنفسهم ليحملهم فقال لهم: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا " وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ".
