/ صفحه 234/
وإذا كان الذي دفعهم إلى هذه الحالة معكم هو شركهم الذي أوقعهم فيه فسقهم وخروجهم عن حدود الفضيلة، ومحبتهم الزخارف الفانية على المعاني الباقية ـ فهي حالتهم مع غيركم من كل مؤمن بما لم يؤمنوا به، فهم قوم دلت عقيدتهم، ودل تاريخهم معكم، ودلت وجههتم في الحياة على فساد طبيعتهم، وتنكرهم للحق وأهله، وعلى أنه لا يرجى منهم مع بقائهم على الشرك ومقتضياته ـ لا لكم ولا لغيركم ـ وفاء ولا صدق " لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون ".
بينت هذه الآيات طبيعتهم بالنسبة للمخاطبين، وبالنسبة لغير المخاطبين، ورجعت بتلك الطبيعة الفاسدة إلى عقيدتهم الشركية الضالة، والى محبتهم للدنيا محبة آثروا بها الفاني على الباقي، وخرجوا بها عن حدود الفضيلة، ولا ريب أن مثل هؤلاء ينبغي الركون إليهم ومعاهدتهم، كما لا ينبغي الاطمئنان على عهودهم القائمة، وقد عرف أن من طبيعتهم الغدر والخيانة.
قد يصح لعاقل يريد خير نفسه وخير أمته، بل يريد للحق أن يستقر في قلوب الناس، وأن تسطع أنواره في أرض الله، أن يفكر بأي وجه من الوجوه في التعاهد مع أمثال هؤلاء، فنبذ عهودهم هو الحكمة التي ليس بعدها حكمة، وهو الواجب الذي ليس بعده واجب.
طريقان:
بعد أ ن بينت الآيات الحكمة في تقرير الأمر الأول، وهو نبذ عهودهم، رسمت لهم طريقين، وفرضت لهم فرصين: إما ان يشعروا بما هم عليه من فساد وانحراف وشذوذ، فيفكروا في التوبة والإقلاع عما هم فيه من الشرك ومدنساته، ويمدوا أيديهم للحق، ويفتحوا قلوبهم للدعوة، فيؤمنوا بالله، ويندمجوا في جماعة المؤمنين، يصلون كما يصلون، ويزكون كما يزكون، وإما أن يظلوا سادرين في غلوائهم متنكرين للحق، مستمرين على الضلال والبهتان ومحاربة الفضيلة.
أمران، أو فرضان لا ثالث لهما، فإن جنحوا إلى الأولى وقاموا بشعائر السلم الحق