/ صفحه 233/
أي وضع يكون للمشركين عهد؟ ليس له حال يوجد عليها، وإذا لم يوجد له حال يوجد عليها فإنه لا سبيل إلى وجوده، فالاستفهام إنكاري للأحوال التي يكونون عليها، ومتى انتفت الأحوال التي يكون عليها الشيء ولا يوجد إلا بها انتفى وجود ذلك الشيء، فالآية تقرر نفي وجود العهد على الطريق البرهاني كما يقولون، وهو أبلغ أنواع الإنكار.
وترشد الآية الثانية من هذه الآيات: " كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة " إلى أن الشأن في تقرير نبذ عهودهم لم يكن قاصراً على النظر إلى عقيدتهم الشركية، وعدم إيمانهم بتشريع الهي، أو خلق فاضل، يحتم عليهم الوفاء بالعهد كما تضمنته الآية السابقة، وإنما يرتبط أيضا بما عرف عنهم، وصار سجية لهم، وشأناً من شئونهم، وهو أنهم عند قوتهم وغلبة سلطانهم لا يراعون شيئاً من حقوق الإنسانية الخاصة أو العامة، كالقرابة والعهد، وإن في مواقفهم معكم، حينما كانوا يشعرون بالقوة، أكبر شاهد على أن قلوبهم لا تحمل أية قيمة لقرابتكم بهم، أو لعهدكم معهم، ويرشدنا ما بعدها إلى أن ما يسمع منهم من عبارات السلم والقرابة وعبارات العهد والولاء، لا يخرج عن أنه نوع من خداعهم الذي مرنوا عليه في حال ضعفهم، والذي لا يتجاوز ألسنتهم إلى قلوبهم، فهم به " يرضونكم بأفواهكم وتأبى قلوبهم " أن يدخل فيها شئ من معاني الوفاء، ذلك بسبب ما طبع عليه أكثرهم من الخروج عن حدود الفضيلة الإنسانية، " وأكثرهم فاسقون " ثم ترشد الآيات بعد هذا إلى أن خروجهم عن حدود الفضيلة الإنسانية ليس شأناً فطرياً في الإنسان، وإنما هو شأن يلحقه بسبب إيثاره زخرف الحياة الدنيا ومظاهرها الكاذبة عن تلبية الحق حينما يظن ان تلبية الحق ستمنعه التمتع بهذا الزخرف الزائل، فينبذ آيات الله، ويعرض عن النظر فيها، والإيمان بها، والنزول على مقتضاها، وبذلك يكون كمن باع سلعة ثمنية قيمة، تنفعه في جميع شأنه، بثمن بخس زهيد لا غناء له في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك قوله تعالى:
" اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ".