/ صفحه 232/
تعليل الأمر بنبذ عهود المشركين:
فالآية الأولى من آيات توجيه الأمر بنبذ العهود تقرر:
أن هؤلاء المشركين بما عندهم من الشرك ليسوا أهلا لأن يكون لهم عهد يحافظ عليه عند الله وعند رسوله، وذلك أن الشرك بما يحمل من إباحية مطلقة لا يدع طريقاً يسلكه الخلق الفاضل إلى القلوب، أو يتسرب منه إليها خوف الله وتقواه، فصاحبه يستبيح في سبيل شهوته وهواه الغدر والخيانة كلما سنحت له الفرصة، أو ظن بنفسه قوة، وقد نقض بالشرك واتخاذ الهوى إلهاً، عند الفطرة، عهد الخلق والتكوين، وما نصب الله للإنسان في الأنفس والآفاق من أدلة التوحيد، ولا ريب أن هذا الوضع الذي خلق الله الإنسان عليه ومكنه به من النظر من أقوى العهود والمواثيق التي تنطق بها فطرته، ومع هذا، فقد أشرك وانسلخ من هذا العهد الفطري الذي يحسه بوجدانه، واتخذ الصنم إلهاً يعبده من دون الله متحللاً من طبيعة خلقه وتكوينه " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة أنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون "؟
وإذا كان الشرك نقضاً لهذا العهد الفطري، ويحمل التحلل من مقتضيات الإيمان الحق، والخلق الفاضل، فمن طبيعته إلا يحترم عهداً، ولا يخاف صاحبه عاقبة، وإنما عهده الشهوة والهوى، وكما خان المشركون عهد خالقهم بعبادة الهوى فإنهم ينقضون عهد من يعاهدون بالغدر والخيانة، ولا ريب أن مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون بحرمات، ولا يذعنون لمثل عليا لا يمكن في نظر العقل الصحيح أن يكون لهم عهد محترم يحافظ عليه، وجدير أن يكون التفكير في التعاهد معهم أو المحافظة على عهودهم محل إنكار شديد، ومدعاة للتعجب، وهذه المعاني هي التي تنبعث من وصف " المشركين " وهي التي يشير إليها الإنكار المذكور في قوله تعالى: " كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله " والمعنى: بأي حال، وعلى
