/ صفحه 21/
إن هؤلاء لم يعرفوا قدر أنفسهم، ولم يدركوا أن الله حين وهبهم الوجود، وهيأهم لخوض غمرات الحياة بأسلحة من العقل المفكر، والجسم المجهز بكل ما يصلحه، قد خلقهم ليعلموا، كل على شاكلته، وكل بنصيبه وجهده كي يحققوا خلافة الإنسان في الأرض، فيعمروها ويستكشفوها ويعرفوا بالله الذي خلق ورزق ووهب وأمات وأحيا وأغنى وأقنى، فيعبدوه ويمتثلوا أمره، ويكونوا رحمة مهداة إلى إخوانهم الأقربين والأبعدين!.
إن هؤلاء لم يدركوا قيمة ابن آدم كما ينبغي لها أن تدرك:
إن ابن آدم لا ينبغي أن يكون نسخة واحدة متكررة في الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وفي القرن الأول والقرن الاخير، وفيما بينهما.
بل يجب على كل إنسان أن يحاول يجد وصدق أن يكون له وجود كريم.
وما وجوده الكريم إلا بأن يكون له " وحديّة " أو امتياز وتفرد في ناحية ما، حتى يكون ـ ما عاش ـ محتاجاً إليه من الناس احتياجاً خاصاً، منظورا إليه نظرا خاصا، وحتى يحس المجتمع إذا ذهب أنه فقد شيئاً كان له كيان، وكان له وجود!.
وكما يقال هذا في الأفراد، يقال في الجماعات والشعوب والأمم.
فلكل جماعة هدف، ولكل شعب طابع وغاية، ولكل أمة رسالة.
فإذا تكررت النسخ رخصت القيم، وخفت الأوزان، وهان وجود الهيئات والشعوب والأمم!.
ونحن هنا في التقريب لنا وجود خاص ورسالة خاصة والحمد لله رب العالمين.
إننا نعلم قيمة أنفسنا، وأهمية دعوتنا، نعلم ذلك في غير غرور ولا خيلاء.
ونعرف ان المسلمين أمة واحدة، إلهها واحد، ورسولها واحد، وكتابها واحد، وأصولها واحدة.
وأنه لم يعد يصلح أمرهم على اختزان الحزازات، واجترار العداوات.
ولم يعد العالم يبيح خلاف يميح للأخ أن يقطع أخاه، وقد ربط الله بينهما برباط الإيمان.
