/ صفحه 20 /
بل دعاه الغرور بنفسه إلى ما هو أبعد من ادعاء الألوهية، حيث أراد أن يصل إلى إله موسى ليحاربه فقال:
" يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً، وكذلك زين لفرعون سوء عمله، وصد عن السبيل، وما كيد فرعون إلا في تباب ".
إلى هذا الحد يفعل الغرور بالنفس!.
وإذا كانت هذه المثل قد وردت في كتاب الله الذي يتلى على الناس بكرة وعشياً، فإن هناك مثلا كثيرة تفيض بها صفحات التاريخ في هذا الكون.
فكم من ملك طغى، وذي سلطان اغتر بنفسه، فأساء تقدير أمره، فأفلت منه الزمام، وانحسر عنه ظل الأمان، وجانبته رحمة الله فصار من المهلكين.
هذا معنى يفهم به الحديث الشريف كثير من الناس.
وهو فهم صحيح مقبول.
ولكنه ليس هو المعنى الوحيد الذي يمكن أن يؤخذ من هذا الحديث.
فنحن نستطيع أن نفهم من هذا التوجيه النبوي الحكيم معنى آخر.
ذلك: أن الإنسان عليه أن يدرك قيمة نفسه، وأن يعلم أنه مخلوق له رسالة يجب عليه أن يحتمل أعباءها ويقوم بحقها، فإن كثيراً من الناس ربما هربوا من معنى الغرور بالنفس إلى معنى احتقار النفس، والاستهانة بها، والشعور بأنهم ليسوا شيئا مذكوراً، فنراهم ينزوون عن كل عمل صالح، ولا يشاركون الناس في أمر من أمورهم، شعوراً منهم بالنقص في أنفسهم، والقصور عن ملابسة كرائم الأعمال، وبذلك كرائم الجهود، فيعيش الواحد منهم ما عاش كما مهملا لا يحس بنفسه ولا يحس به أحد، يعيش عالة على غيره، يحمله مجتمعه الخاص ومجتمعه العام، كما تحمل الأثقال التي تنوء بها الكواهل دون أن يكون لها نفع، أو يرجى منها خير.