/ صفحه 206/
الأشياء يمتاز الشاعر على سواه، ولهذا ـ لا غير ـ كان كلامه مطربا مؤثرا، وكانت النفوس تواقة إلى سماعه واستيعابه.
" وصفوة القول أن المحك الذي لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره، فإن كان لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس فذلك شعر القشور والطلاء، وإن كنت تلمح وراء الحواس شعوراً حياً ووجداناً تعود إليه المحسوسات كما تعود الأغذية إلى الدم، ونفحات الأزاهر إلى عنصر العطر، فذلك شعر الطبع القوي، والحقيقة الجوهرية ".
ومن النقد التطبيقي الواضح في كتاب " الغربال " نقد قصيدة شوقي التي مطلعها:
أنادي الرسم لو ملك الجوابا وأجبزيه بدمعي لو أثابا
وقد وقف الناقد عند هذا البيت، وعابه، وذكر أنه توقف ليتأكد إذا كان يطالع قصيدة جاهلية أم عصرية، وعذر أمرأ القيس في بكائه، ولم يعذر شوقي، ثم ذكر أن الإعلان عن البكاء لا يحمل الآخرين على البكاء، وإنما يحملهم عليه أن يفتح الشاعر لهم قلبه ويطلعهم على ما فيه، وهذه ـ كما يقول ـ هي مهمة الشاعر، " وكم هم الشعراء بيننا الذين يستعيضون عن وصف عاطفة بذكر نتيجتها الخارجية، فإن حزنوا قالوا بكينا، وإن فرحوا قالوا ضحكنا، كأن لا سبيل لوصف الحزن إلا بالدموع، أو لوصف الفرح إلا بالضحك " (1).
* * *
هذا ولم أقصد المقارنة بين الديوان والغربال، بل أردت التنبيه إلى ما وقع فيه ناقد كبير في الموازنة بين الكتابين، على أن عنوان الغربال ـ وحده ـ كاف في إرادة النقد التطبيقي، فالكاتب يريد أن " يغربل " والغربلة تتحقق على أكمل وجوهها حين يضع الناقد الآثار الفنية، ويغربلها بغرباله، أو ينخلها بمنخله، فكأن الأصل في وضع هذا الكتاب إنما هو النقد التطبيقي.
وكذلك أردت من هذه الإشارة العابرة أن أدل على موضع الكتابين من حركة

*(هوامش)*
(1) الغربال ص 124.