/ صفحه 204/
التوحيدي ليس غريباً علينا، ولا هو مما يضعف عن وصف الأشياء التي جدت في حياتنا ولم يعرفها هؤلاء الكتاب، وأي شئ يستطيع أسلوب طه حسين أن يصفه، ولا يستطيع ذلك أسلوب أي كاتب كبير من كتاب الدولتين الأموية والعباسية، وقد لاءم أسلوب الجاحظ حياة العباسيين، وأظنه ـ لو كتبنا به ـ يلائم حياتنا.
إن القارئ لهذا الكلام من الدكتور طه يخيل إليه ـ لو كان يجهل العربية ـ أن لغات الأمويين والعباسيين والمماليك وأساليبهم ـ جنس آخر غير لغتنا وأسلوبنا، وأنهم كانوا يتكلمون ويكتبون " بالهرغلفية " مثلاً، ولو أن الدكتور قال إن بعض الأساليب التي سادت في القرون الماضية كأسلوب القاضي الفاضل، أو العماد الأصبهاني ـ مثلا ـ بنبو عنها أذواقنا، أو حتى عن بعضها، فإن أسلوب هذا الأخير في كتابه " خريدة العصر " لا يعيبه الا التزام السجع، أما ألفاظه فسهلة سائغة، لو أنه قال هذا، أو شيئاً يشبهه لقلنا إن الرجل يريد أن يصيب أو يريد أن يقارب الصواب، أما تعميم الحكم هكذا فما أظنها إلا مغالطة قصد بها إلى الفلج بالحجة، والمنافحة عن الرأي، ولا عليه بعد ذلك أن يصيب كلامه المحز، أو أن يقع بعيداً عن فصل الخطاب.
إن شر ما في هذه الخصومات الأدبية ـ بل وكل الخصومات ـ أنها تحمل أطرافها على الإسراف في الأحكام، والمغالطة في القضايا، ومحاولة العبث بالعقول، وكل من يدين برأي فيها غير قابل لأن يتنازل عن شئ من رأيه لأن المسألة ـ كما تبدو للمحايد ـ لا تعدو أن تكون دفاعا عن النفس، وعن طريقة التفكير، وأسلوب الكتابة، وكل من يجيد فنا يحاول أن يحمل الناس على الاعتقاد بأنه خير ما أخرج للناس، وذلك من حب الذات، وسيطرة الأنانية على العقول والقلوب.
* * *
وقد ظهر في أوائل هذا القرن كتاب له شأن كبير في حركة التجديد، وهو صنو لكتاب " الديوان " هذا الكتاب هو " الغربال " لميخائيل نعيمة، الأديب