/ صفحه 203/
وأخذوا بنصيب موفور من لغات الإفرنج وآدابهم، فكانت قوتهم في هذه اللغات والأداب، وضعفهم في اللغة العربية وآدابها مصدر تورطهم في فنون سخيفة من القول، وكان اعتزازهم بالمذهب الجديد وإنكارهم للمذهب القديم ضربا من الاعتذار لأنفسهم، ولوناً من ألوان الغرور بأنفسهم.
وطبيعي أن يغضب أنصار الجديد لهذه الاتهامات فيردون قائلين بأن هذا إسراف في الحكم، ومصدره الخطأ في فهم ما يكتب أنصار الجديد، وهم لم يحرموا أنفسهم من لغة العرب، بل أخذوا منها ومن آدابها بحظ لا بأس به، وقوتهم في اللغة الأجنبية لم تحملهم على أن يضيعوا حظهم من اللغة العربية وآدابها، فهم يفهمون الجاحظ كما يفهمون فولتير.
على أن بعض أنصار الجديد ـ في العصور القديمة ـ لم يكونوا يعرفون لغة أجنبية، وكانوا أساتذة في الأدب العربي، ومع ذلك جددوا ودعوا إلى التجديد، كأبي تمام وأبي نواس والمتنبي.
ثم يحتج أنصار الجديد على نحو ما يقوله طه حسين: " لسنا نعيش عيشة الأمويين، ولا العباسيين، ولا المماليك، بل لسنا نعيش عيشة المصريين في أوائل هذا القرن، فمن الإسراف أن نستعير لغات هذه الأجيال وأساليبها لنصف بها أشياء لم يعرفوها، وضروبا من الحس والشعور لم يحسوها، ولم يشعروا بها " (1).
ويرى الدكتور طه أن اتخاذ أساليب القدماء نقص أدبي، وعيب خلقي، لأن الكمال الأدبي يستلزم أن تكون اللغة ملائمة للحياة.
ثم يقول عن نفسه: " أنا لا أمقت القديم، ولا آنف من الحديث، وإنما أرى أنني وسط بين القديم والحديث، وأرى أن لغتي يجب أن تكون مرآة صادقة لنفسي " (2).
وأرى أن الدكتور طه عمد إلى مغالطة واضحة، وذلك أن الأمويين والعباسيين لم تكن لهم لغة تخالف لغتنا، والأسلوب الذي كتب به الجاحظ وأبو حيان

*(هوامش)*
(1) حديث الأربعاء ج 3 ص 10.
(2) المصدر السابق ص 12.