/ صفحه 202 /
أما أن أسلوب الرافعي والزيات والبشري لون خيالي مريض، فلا يقول هذا إلا بعيد عن الثقافة العربية.
ولم ينفرد هذا الكاتب التافه بالحط من قدر الأساليب البيانية الرفيعة، بل إن عدداً غير قليل ـ وأكثرهم من شبابنا الذين قلت بلغة العرب وآدابها معرفتهم ـ أخذوا يطعنون ـ في غير هوادة ـ على هذه الأساليب وأصحابها، وهذا ما عبر عنه بعض الباحثين بأنه " ثورة على الأدب البياني " ولا يخالجني شك في أن الضعف وحده عن معاناة هذه الأساليب العالية هو الذي حمل هؤلاء على مهاجمتها، والحط من قدرها، وإني لأعرف بعض هؤلاء، وأعرف أن الواحد منهم لا يكاد ينشدك ثلاثة أبيات متتابعة من قصيدة أو مقطوعة عربية قديمة، بله أن تسمع منه أسطراً من النثر الفني القديم، وكل ثقافتهم ما يطالعونه في المجلات الأدبية وغير الأدبية الحديثة، ونزراً يسيراً مما ترجم من أدب الغرب، ولقد تأسفت أمام أحدهم مرة على أن الرافعي مضى وترك مكانه خالياً، والبشري ذهب ولم يجئ بعده من يكتب بأسلوبه، فقال ساخراً مني، وشامتاً: لا أعاد الله أمثال هؤلاء، لقد استرحنا واستراح الأدب منهم، والعقدة عند هذا أنه لا يستطيع أن يفهم الرافعي، فضلا عن أن يحاول أن يكتب سطراً واحداً بأسلوبه، فحقده على هؤلاء الكتاب الأفذاذ ينبع من ضعفه عن مجاراتهم.
ومن قال إن الأدب ينبغي أن ينزل إلى لغة الصحافة، أو ينبغي أن يفهمه كل الناس؟ لم يقل ذلك عاقل، لا من علمائنا الأقدمين، ولا من أدبائنا المحدثين، الأدب فن، والفن يحتاج إلى الأناقة والجمال، والرقص غير المشي، وسنعود إلى هذا الموضوع في مقال آخر إن شاء الله.
* * *
والخصومة بين أنصار القديم وأنصار الجديد عنيفة، وستظل عنيفة بين أنصار الجديد، وأنصار الأجد.
وأنصار القديم يرمون المجددين بأنهم ضيعوا حظهم من لغة العرب وآدابها،
