/ صفحه 194/
الدماء، وانقلبوا ذئابا ضارية على شعوبهم وأوطانهم، بدل أن يكونوا رعاة صالحين وحماة صادقين لأمهم وأوطانهم:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة غدوا ذئابا
وشغلوا عن تدبير شئون أممهم بالإغراق في لذاتهم وشهواتهم، وناموا عن حماية أوطانهم من العدو الذي كان يغتصبها إقليما بعد إقليم، وأضاعوا بتفريطهم كل ما بناه سلفهم من عز ومجد، ودولة وسلطان.
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ونام عنها تولي رعيها الأسد
وبذلك تفرقت كلمة المسلمين، وصاروا شيعا وأحزابا، وانفصمت عرى الروابط والتعاون بين شعوبهم وأوطانهم، وفسدت شئون القيادة والتوجيه في مجتمعاتهم، وأصبح كل مجتمع منها يسير في حياته على غير هدى، ليس لهم قيادة موحدة تجمع كلمتهم وتوحد صفوفهم، ولا زعامة رشيدة توضح لهم معالم السير على النهج القويم، نعم كانت تظهر في الحين بعد الحين صيحة من صيحات القادة الراشدين، ولكن طغيان هذا الفساد القيادي يكون لها بالمرصاد، يسد عليها كل طريق، ويضع في سبيلها عوامل الفشل والعثار، فتذهب صيحاتهم أدراج الرياح، وتطويها الأيام في زوايا الإهمال، وتجر عليها الليالي أذيال النسيان.
وفي غمرة هذا التفكك والفساد القيادي، دخل جماعة في صفوف قادة التوجية والارشاد، من حملة الأقلام الجامحة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وعباد المال الذين يستغلون قيادة الشعوب في جمع المال وتحقيق المصالح والمنافع الشخصية، وأدعياء العلم وخطباء الفتنة، الذين يعملون بجهلهم وضيق أفقهم على توسيع شقة الخلاف والفرقة بين المسلمين، بإيقاظ العصبية المذهبية التي توقع العداوة والشقاق بينهم، وإثارة غبار الخلافات التي لا تتصل بجوهر الدين واستقامة السلوك، ولا تدخل في دائرة العقائد التي يجب معرفتها والايمان بها، وقصارى ما يبلغون في إرشادهم أنهم يملئون الدنيا عجيجا وصياحا، ويصدعون الرءوس بالأصوات المنكرة المتكلفة، والأقوال التي لا تجاوز حناجرهم، ولا تتصل بقلوبهم وأعمالهم، ويقولون
