/ صفحه 193/
فان صلاح أمر المسلمين في دينهم ودنياهم، ليس بكثرة قادتهم وزعمائهم، ولا بتعدد طوائفهم وكثرة أحزابهم، وإنما يكون صلاح أمرهم بحكمة قادتهم، وزعمائهم، واستكمالهم لمواهب القيادة الحكيمة والزعامة الرشيدة، وإيمانهم بما لأممهم عليهم من حقوق وواجبات، وصدقهم وإخلاصهم في أقوالهم وأعمالهم، وبما يتاح لهم من خلق كريم يجمع شتات القلوب، ويشعر بشعور الأمة في مسراتها وضرائها، ويحنو عليها ويأسو جراحها، ويترفق بالناس في قيادتهم ومعاملتهم، وينزلهم منازلهم من العلم والعمل، ويعطي كل ذي حق حقه.
وما يقومون به من أعمال نافعة تبعث الأمن والطمأنينة في النفوس، وتجلب الخير والسعادة للناس أجمعين.
هذه هي القيادة الرشيدة، التي ترنوا إليها الابصار، وتلتف حولها القلوب، ويصلح عليها أمر المسلمين، وتعلو مكانتهم بين الأمم.
ولكن أكثر الخلف من قادة المسلمين وزعمائهم وحكامهم، قلبوا أوضاع هذه القيادة الحكيمة، وبدلوا معالمها، وجعلوها قيادة مادية بحتة، ومطلباً دنيويا محضا، واستمدوا مناهجها العلمية والعملية من وحي الأهواء والأغراض، وطغى طوفان العصبية المذهبية والأهواء الحربية على مقاصدهم، وسيطر حب المال والجاه والسلطان على قلوبهم، وهيمنت سياسة الغلب وتنازع السلطان على تفكيرهم، فجعلوا اختلاف الرأي في والنظر اختلاف اشياع وأنصار وأحزاب، بعد أن كان اختلاف أشخاص وأنظار وأفهام، وتعصب كل حزب لمذهبه في الدين والسياسة، ووقف بعضهم من بعض موقف الخصومة والعداوة، واستغل أهل الأهواء وطلاب الحكم قيام هذه العصبية الجامحة، فأججوا نارها، وزادوا ضرامها، واتخذوها وسيلة لتحقيق المآرب والأطماع ودعم السلطان، وتولي زمام الحكم في أكثر الأقطار الإسلامية حكام لا يحسنون سياسة الحكم، واستعانوا على تدبير شئونه ببطانات فاسدة، وقيادات ضالة، فأفسدوا أمور المسلمين بسوء سياستهم، ودسائس بطاناتهم، واستغلوا سلطانهم في نشر الظلم والاستبداد، واستنزاف الأموال، وامتصاص
