/ صفحه 192/
والتفوق في هذه الصناعة اللفظية الجدلية، والمحافظة على الظواهر الصورية، والرسوم التقليدية، وكأن هذه الجوانب هي كل ما للدراسات الدينية من ثمرات وغايات، ولا يخفي أن الدراسات التي تقف بمقاصدها عند هذه الحدود والغايات لا يكون لها أثر في بناء المجتمعات الصالحة، ولا في تطهير القلوب وتهذيب الأخلاق واستقامة السلوك، كما يشير إلى ذلك ما رواه البخاري ومسلم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم " فالقلوب وما تنطوي عليه من السرائر والنيات التي تصاحب الأعمال هي الموازين التي توزن بها أقدار الأفراد والأمم عند الله تعالى، وعلى مقتضى هذه الموازين العادلة، يكون الجزاء في الدنيا والاخرة على سنن العدل الالهي.
أما الظواهر والصور التي لا تكون تعبيرا عن صلاح البواطن والسرائر، فإنها لا قيمة لها في ميزان العدل الالهي، ولا تستنزل لأهلها من الله عونا ولا نصرا، ولا يعبأ الله بالمعتلقين بها والمخدوعين بمظاهرها.
وأما الخلف من قادة المسلمين وزعمائهم، فإنهم انحرفوا بقيادتهم عن طريقة سلفهم من القادة الراشدين، فقد كان القادة السابقون يسيرون على نهج القيادة الحكيمة الرشيدة، التي استمدوا مناهجها العلمية من توجيهات القرآن الكريم، كما في قوله في سورة النحل: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " 16: 125، وفي سورة آل عمران: " فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " 3: 159.
وأحكموا أصولها العملية من سيرة الرسول وقيادته الحكيمة الرشيدة، وبذلك كانت قيادتهم مرآة صافية لأخلاق الإسلام ومبادئه، صورت للناس بأعمالها تعاليم الإسلام تصويراً عملياً، ومثلت لهم بسلوكها مناهج السلوك الديني تمثيلا واقعياً، وهذا هو سر نجاحهم في قيادتهم التي صلح عليها أمر المسلمين الأولين، وارتفعت بهم إلى قمة المجد وذروة الكمال، والتي أتاحت لهم أن يقيموا لأمتهم دولة قوية في دينها ودنياها.
