/ صفحه 191 /
سهولة ويسر، وفي كلمات جامعة يسهل فهمها والاحاطة بمقاصدها، فيعيها الأعرابي كما سمعها، ويعاهده على الإيمان والعمل بها، وأنه لا يزيد عليها ولا ينقص فيخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفلاحه ودخوله الجنة إن صدق في عهده، وهكذا كانوا في جلسات معدودات يحيطون بأصول الإسلام ودعائمه، ويعرفون أهدافه ومقاصده، دون أن يحتاجوا في ذلك إلى قضاء الأعوام الكثيرة، في أبحاث وخلافات لا أثر لها في تزكية النفوس، واستقامة السلوك.
وعلى سنن هذا الهدى النبوي المحمدي كان علم الرعيل الأول من المسلمين بأصول الإسلام ودعائمه، وفهمهم لروحها ومقاصدها، ونشرها بين الناس والعمل بها.
فكانت عدتهم في حمل رسالة الإسلام والسعي والعمل، إنما هو العلم المستمد من ينابيعه الصافية، وإيمانهم القلبي الذي لا يتزعزع، وإخلاصهم الذي لا تشوبه شائبة، وحبهم للجهاد الذي يعلى شأن دينهم وأمتهم، وتطلعهم للعمل الذي يصلح أمر دينهم ودنياهم، وهكذا جمعوا بين العقيدة الصحيحة والخلق الكريم والعمل والصالح، في إعداد أنفسهم لحمل رسالة الإسلام، وبناء صرح الدولة الإسلامية، فجمع الله لهم بين القوة والسيادة والعزة والكرامة، وجعلهم أئمة الشعوب وقادة الأمم، كما قال جل جلاله: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " 29: 69.
ولكن القائمين بالدراسات الدينية في عصورهم الأخيرة، انحرفوا بها عن منهج القرآن والسنة وطريقة السلف.
فاتجهوا بطريقتها في التدوين والتأليف، إلى الإفراط في الاختصار الذي عقد الاساليب وأخفى المعاني، والمبالغة في التفريع وكثرة الفروض التي توجب السآمة والملل، والتي لا وجود لها في سلوك الأفراد والجماعات، مما جعل فهم أساليبها مطلبا متعسراً، والاستفادة منها أمراً متعذراً، واتجهوا بمقاصدها في البحث والتعليم والتدريس، إلى العناية بالأبحاث اللفظية، والمناقشات الشكلية، والخلافات المذهبية، التي طغت على العناية بالمعاني التي تطهر القلوب، وتقوم الأخلاق، وتصلح الأعمال، ووقفوا بالناحية العملية التي هي ثمرة العلم وغايته، عند حدود التنافس