/ صفحه 183/
ج ـ وفيما يرجع إلى إعلان الصدقة وإظهارها، أو إخفائها وإسرارها، نرى الإسلام يبيح هذا وذاك، ويرشد إلى أن لكل موضعه، فقد يكون إعلان الصدقة وإظهارها مقصوداً به القدوة وإثارة حمية الجود في الناس، وقد يكون المقام يقتضى الإسرار بها، كما إذا أعطيت لذى احتياج طارئ بعد غني، أو قصد المخرج البعد عن مظاهر الرياء والتفاخر، وفي القرآن الكريم: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم " وفي الحديث الشريف: " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أ نفقت يمينه " كما أنه في السنة مواطن كثيرة كان فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى الصدقة علانية، ويقبلها علانية، كما يفعل الناس الآن في دعوات الاكتتاب والتعاون.
ولا شك أن ظروف المجتمع فيها ما يدعو إلى هذا وذاك، وأن الحكم الوسط العادل هو ملاحظة كل من هذه الظروف بما يناسبه.
بقي مما أريد ذكره في هذا المقام، أن الإسلام لم يغفل شأن أهل الهمم، وأولي العزائم الصادقة، الذين هم فوق المستوى المألوف للناس، فقد اباح لأمثال هؤلاء في ظروفهم، ولاعتبارات خاصة أن يتجاوزوا الحدود المعتادة وينفقوا من أموالهم ما شاءوا ولو خرجوا منها كلها، وذلك إنما رضية الإسلام في ظروف تقتضي التوسع وملاحظة حال المجتمع عامة، دون اعتداد بأمر الفرد المنفق خاصة، ثقة به، واطمئناناً إلى أنه لن يضيق ولن يتغير قلبه، فعلى هذا يحمل كل ما ورد في الكتاب أو السنة مما يخالف ما قدمنا.
فمن ذلك قوله تعالى في شأن الأنصار حين قدم إليهم المهاجرون: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " فإنه مدح لهم بأنهم على خصاصتهم وفقرهم وحاجتهم يؤثرون المهاجرين على أنفسهم، وإذا فلم يكن عطاؤهم عن ظهر غنى، ولا بعد بقاء الكفاية لأنفسهم وذويهم.
ولكن المتأمل في هذا يعرف أن الظروف الطارئة في المجتمع الإسلامي يومئذ هي التي أوحت بأن يكون الجميع أمام المال سواء، بل أن يشعر المهاجرون الذين