/ صفحه 182/
معينة، والحقيقة أنه لا مهانة في الصدقة ولا تحقير إلا إذا استولى عليها من لا يستحقها من غني لا حاجة له بها، أو قادر على الكسب ولكنه كسلان لا يعمل ولا يحتال، والإسلام قد حرم الصدقة على هذين، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى " وذو المرة هو القوي القادر على الكسب.
ومعنى كون الزكاة أو الصدقة مطهرة للناس ومزكية، أن من شأنها تهذيب النفوس وتنقيتها من الشح والاثرة، وتنميتها بما في الزكاة من جلب المودة والصداقة، فكأن نفوس الأغنياء تزداد وتنمو بانضمام الفقراء اليهم، وودهم إياهم، والغني مهما كثر ماله، في حاجة إلى غيره ليعينه ويقوم في حاجته، فهو بذلك يكثر من قلة، ويقوى من ضعف، على حد المعنى المراد في قولهم: " المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه ".
ثم إن الله تعالى أحلها للفقير، فهل يحل الله شيئا وهو خبيث، أو ليس من الطيبات؟ وقصارى القول أن الصدقة في ذاتها مال طيب، ولكن يحرم هذا المال ويخبث إذا أخذه غير مستحقه أو سأله في غير حاجة، أو ألحف في سؤاله.
وتحريم الصدقة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مناطه علو مرتبته عن مستوى المكلفين بغناه النفسي، واعتماده القوي على ربه، ولأن الرسل يجب أن يكونوا في مرتبة من الصون يكونون بها في حماية من أن تتوجه إليهم الظنون أو الشبهات، وقد علمهم الله أن يقولوا لأقوامهم: " لا أسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الله " وليس كل ما منع منه الرسول راجعاً إلى فساد فيه أو خبث، فقد يكون ذلك لاعتبار آخر بالنسبة إليه.
أما آل بيته صلى الله عليه وآله وسلم، فإن منعهم من الصدقة لأن لهم سهما مقررا هو سهم ذوى القربى، فهم به أغنياء غير مستحقين للصدقة، ولذلك قرر الفقهاء أنه إذا منع أهل القربى حقهم من بيت المال، وكانوا فقراء جاز صرف الزكاة والصدقة لهم، ومن جاز له شئ فهو بالنسبة له حلال طيب ليس عليه حرج فيه، ولا غضاضة منه.