/ صفحه 181/
شئ فلأهلك، فان فضل عن أهلك شئ فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شئ فهكذ. وهكذا " كأنه صلى الله عليه وآله وسلم يشير بذلك إلى النواحي الأخرى بعد هذه القرابات.
وفي هذا الهدى النبوي إيحاء بمعنى كريم، ذلك أن الصدقة يعبر بها عما ينفقه المرء على نفسه وأهله وقرابته، كما يعبر بها عما يبذله المرء للفقراء والمساكين، فليس في هذا التعبير إذن ما يزعمه بعض الناس من إذلال للفقير وإشعار له بأنه حين يأخذ المال من الغني يأخذ ما يهون به وتجرح كرامته، فإن لفظ الصدقة مأخوذ من الصدق، لأن واجب المتصدق أن يتحري الصدق في فعله، ويضع ماله في الموضع الذي يناسبه على ترتيب الاحتياج، فكما لا يكون الإنسان حين يضع ماله في حاجته أو حاجة أهله وقرابته متقبلا ما فيه إهانة له أو جرح لكرامته أو كرامة من أنفق عليهم، فكذلك لا يكون هذا إهانة ولا جرحا لكرامة أصحاب المراتب التالية لهم من الفقراء والمساكين، والقرآن يعبر بأن الصدقات حق للفقراء، إذ يقول: " حق معلوم " ونحو ذلك.
وقد توسع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبعد من ذلك، حيث أطلق على أفعال المعروف عامة اسم الصدقة، فقال: " كل معروف صدقة " وأمر هذا مشهور معروف، وإنما أذكره لبيان أن كلمة الصدقة كلمة كريمة لا تنطوي على معنى من معاني الإذلال أو الاهانة للفقير، كما زعمه بعض الزاعمين، وإنما ظنوا خطأ من مثل قوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " فقالوا: هذا المال المأخوذ المسمى صدقة جعل سبباً للتطهير والتزكية، وإنما يطهر الشئ ويزكيه إذا نفي عنه خبثه ورذا له، فالصدقة المأخوذة من رذال المال ونفايته، ولذلك يتحاماها أهل المرؤءات واصحاب الهمم العالية، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقبل الصدقة لنفسه، ولا على أحد من آل بيته، وتفرع على ذلك اشتراط الفقهاء فيمن تصرف إليه الزكاة ألا يكون هاشمياً.
يقولون هذا في معرض أن الصدقة بالنسبة إلى الفقير، مهانة وتحقير، ويغمزون بذلك هذا المبدأ الإسلامي منتفعين بالخلابة التي يخلب بها ألباب الفقراء دعاة مذاهب
