/ صفحه 179/
خرجت من كل ما تملك عادت فتطلعت إلى ما أخرجت، وكان لها نوع اتجاه إليه وارتباط به فهي تذكره وتعتد به، ولعل هذا بعض السر في أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه رد هذه الصدقة رداً فيه شئ من العنف، فحذف البيضة الذهبية حذفة لو كانت أصابت الرجل لأوجعته، وتكلم مع هذا بما قال غير مخاطب به ذلك الرجل، فكأنه أعرض عنه وأهمله إظهاراً لعدم الرضى بفعله، ثم بين للناس سر عدم قبول مثل هذه الصدقة بأن ذلك يؤدي إلى أن يصبح صاحبها عالة على الناس ـ أي: وهذا أسلوب لا يصلح عليه المجتمع، لأنه إذا كان قد سد خلة فقد فتح خلة.
وقريب من هذا الصنيع ما روى عن أبي سعيد الخدري من أنه دخل رجل المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يطرحوا ثياباً، فطرحوا، فأمر له بثوبين، ثم حث (عليه السلام) على الصدقة، فجاء فطرح أحد الثوبين، فصاح به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " خذ ثوبك! " فرفض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الصدقة كان سريعاً عقب الفعل، وكان على سبيل الصياح بالرجل ورفع الصوت المنبئ عن قوة العزم وشدة الحزم، وما ذلك إلا لأنه لا يريد أن ينزل الرجل عن شطر ماله، فإن الشطر قسيم مساو، وقل في الناس من ترضى طبيعته البشرية بأن يقاسم في ماله ولو كان قد أتاه على هذا الوجه من الصدقة، لأنه أصبح مالكا إياه، وحريصا عليه، وله الأولوية في أن يتمتع به حساً ونفساً.
ومن الاحاديث المشهورة حديث الرجل الذي استأذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه في أن يتصدق بماله كله، فأبى ذلك عليه فلم ينزل حتى بلغ الثلث فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتصدق بالثلث وعرفه أن الثلث كثير، أي انه نسبة عالية كبيرة لا يستهان بها، ينبغي أن يقف الحد الوسط عندها.
وهذا الهدى النبوي مأخوذ من القرآن الكريم، إذ يقول الله عزوجل:
" ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً " فإن قوله تعالى: " فتقعد ملوماً محسوراً " مرتبط بالنهي في قوله: " ولا تبسطها
