/ صفحه 178/
بما بذل، إنما هو من يبذل الأقل، ويبقي لنفسه الأكثر، تلك سجايا النفوس فيما يعتاده الناس، وفيما هو شأن وسطهم الذي لا عبرة بما قد ينزل عنه من الباخلين المقترين، ولا بما يرتفع عنه من الأجواد المبرزين، فإن التشريع عادة إنما يكون للوسط وما عليه الكثرة، وما هو شأن الكافة.
ويتجلى هذا الجانب في السنة المطهرة تطبيقاً للمنهج القرآني على نحو رائع.
روى أبو هريرة وحكيم بن خزام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " خير الصدقة ـ أو أفضل الصدقة ـ ما كان عن ظهر غنى " وهذا تعبير تصويري جميل عما لا يرهق صاحب المال، وتأويله البياني على أحد وجهين: فأما أن يراد مثل قولهم: " فلان يأكل على ظهر يدي " أي أنني أنفق عليه، والعادة أن النفقة على الغير لا تستغرق إلا جزءا مقاربا من المال، وليس الشأن فيها أن تستنفد المال كله. وإما أن يكون على معنى أن صاحب المال يبذل صدقته من ظهر الغنى وما يتخلف عنه، لا من أمامه وما هو في مقدمته، فهو يعطي الفضل منه وما لو صور لكان جانباً خلفياً لا جانباً أمامياً.
ومهما يكن تأويل المعنى فإن المراد به واضح، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرشد الناس إلى الصدقة التي لا يضار معها المتصدق مادة ولا روحا، وقد كان يرد في كثير من الأحيان ما يخرج على هذا السنن من الصدقات، فمن ذلك ما رواه مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله من " أن رجلا أعتق عبداً له، لم يكن له مال غيره، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وابتاعه نعيم بن النحام " وعن جابر أيضا: " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمثل البيضة من الذهب، فقال يا رسول الله هذه صدقة ما تركت لي مالا غيرها، فحذفه بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلو أصابه لأوجعه، ثم قال: ينطلق أحدكم فينخلع من ماله ثم يصير عيالا على الناس "!.
وفي هذا الحديث يلمح من الرجل المتصدق معنى يقرب من أن يكون تطلعاً إلى ما أنفق وتشوفا، إذ يقول معتدا بما تصدق به: ما تركت لي مالا غيرها، والاعتداد بها على هذا النحو ينبئ أو يومئ إلى أن نفسه تبعت هذه الصدقة، لأنها كل ماله وليس له من بعدها شئ، والنفس البشرية نزاعة إلى أن تملك، فإذا