/ صفحه 177 /
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تفيد أن الله تعالى يعاقب أصحاب المقاصد السيئة بضد ما قصدوا، ومن ذلك قوله تعالى: " واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا " وقوله عز اسمه: " واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون، لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون ".
" ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله ".
وفي الفقه من ذلك: جلد القاذف لأنه لمز صاحبه بما لو ثبت لاستوجب الجلد فعوقب بأن حد هو. ومنها أن من عقد على معتدة تأبد تحريمها عليه، ومن قتل ليرث حرم الميراث، ومن طلق امرأة في مرض موته ليمنعها الميراث ورثت، ومن اصطاد صيداً في الحرم، أو اصطاد وهو محرم ولو في الحل، حرم عليه أكل صيده ووجبت عليه كفارة مثل ما قتل من النعم، وقاطع الطريق تقطع أطرافه، والناظر من كوة أو نحوها متطلعا إلى جاره لو فقأ الجار عينه بعود أو نحوه لم يكن عليه شئ وكانت هدرا.
إلى غير ذلك من الأحكام التي تتفرع على أصل المعاملة بضد المقصود، والمعاقبة بعقوبة من جنس الذنب وذلك كله مبني على اعتبار نية الفاعل، وتقدير مقصده.
وبهذا يتبين أن الشريعة الإسلامية قد قررت بهذا الأصل مبدأ على أساس من العدل والوسطية، ويؤدي إلى تقويم خلقي للأفراد يترتب عليه صلاح كبير للمجتمع، وتخفيف كثير من مآرب أصحاب الغايات الفاسدة المفسدة.
7 ـ ومن ذلك هدى الإسلام ـ كتابا وسنة ـ في الصدقة، وتبدو مظاهر " الوسطية " فيها من جوانب عدة:
1 ـ ففيما يرجع إلى الجود بها نجد أن الطريقة المثلى التي يشرعها الإسلام في ذلك هي البذل الذي لا ينتهي بالباذل إلى أن يصبح هو فقيراً محتاجا، أو أن يخرج عن نسبة أكثر من الثلث، والسر في ذلك أنه لا معنى لأن يصلح إنسان حال غيره بما يفسد به حال نفسه أو حال من يعولهم، ثم إن الباذل الذي ينشط للبذل وتقوى عليه نفسه، ويستريح إليه قلبه، ويسلم معه من عوامل التطلع وتعلق النفس