/ صفحه 176/
من تعب الدنيا، ويجد فيها لذته وراحة نفسه، وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه: " وجعلت قرة عيني في الصلاة " فالصلاة عبادة، والاستراحة بها أو إليها من متاعب الحياة حظ من الحظوظ النفسية الدنيوية، ولكنه من جنس ما يأذن فيه الشارع، ومما لم يعده مفسدة تفسد، أو شائبة تشوب.
وقل مثل ذلك في تعلم العلم ابتغاء رفعة الشأن، أو الاحتماء به من الظلم، وفي الصدقة يبتغي بها ـ مع الاحسان إلى المحتاجين ـ أن يذوق لذة العطاء والتفضل، وقد كان المأمون يعفو عن المسيئين إليه ويقول: " لو علم الناس مالنا في العفو من اللذة لتقربوا إلينا بالجنايات " والعفو منزلة يندب إليها القرآن في مثل قوله: " والعافين عن الناس " فهو عبادة، والاستراحة إليه واللذة به، حظ من الحظوظ الدنيوية لا ينافي هذه العبادة، لأنه ليس من الحظوظ المذمومة المنهي عنها.
وفي الفقه: يستحب الوضوء لمن أراد أن يبترد به صيفا، ويستحب للإمام أن ينتظر بالركوع حتى يتيح إدراك الركعة للمسبوق، ويندب له أن يخفف من الصلاة لأجل الشيخ الكبير، وللضعيف، ولصاحب الحاجة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك، وهو القائل: " إني لأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مخافة أن تفتن أمه ".
* * *
3 ـ ويقابل هذا الإحسان والتفضل بقبول إرادة الحظ الدنيوي إذا كان معترفا به من الشارع. رفض الشريعة ما يقصد إليه أصحاب الحيل من غايات مستترة ومقاصد ملتوية، فإن الله تعالى يعكس عليهم مقاصدهم ويعاقبهم بضد ما أرادوا، لأنهم سلكوا إلى حظوظهم سبيلاً ملتوية " يخادعون الله وهو خادعهم ".
وقد كانت أول عقوبة أوقعها الله على البشر عقوبة من هذا الجنس، وهي عقوبة أبوينا آدم وزوجه بإخراجهما من الجنة لما عصيا الله بالأكل من الشجرة وقد نهاهما عنها، فقد خدعهما الشيطان بقوله: " ما نها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين " فأرادا الخلود، وهو حظ نفسي التمساه من غير حله، فعاقبهما الله بضده، وهو الإخراج والحرمان.